سيد محمد طنطاوي
332
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
من تراب * ( ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ) * وأصلها الماء الصافي أو الماء القليل الذي يبقى في الدلو أو القربة ، وجمعها : نطف ونطاف . يقال : نطفت القربة إذا قطرت . والمراد بها هنا : المنى الذي هو مادة التلقيح من الرجل للمرأة . * ( ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً ) * أي : أصنافا ذكرانا وإناثا ، كما قال - تعالى - : أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وإِناثاً . أو المراد : ثم جعلكم تتزاوجون ، فالرجل يتزوج المرأة ، والمرأة تتزوج الرجل . * ( وما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى ولا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِه ) * أي : لا يحصل من الأنثى حمل ، كما لا يحصل منها وضع لما في بطنها ، إلا واللَّه - تعالى - عالم به علما تاما لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شيء . * ( وما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِه إِلَّا فِي كِتابٍ ) * والمراد بالعمر الشخص الذي يطيل اللَّه - تعالى - عمره . والضمير في قوله * ( مِنْ عُمُرِه ) * يعود إلى شخص آخر ، فيكون المعنى : ما يمد - سبحانه - في عمر أحد من الناس ، ولا ينقص من عمر أحد آخر ، إلا وكل ذلك كائن وثابت في كتاب عنده - تعالى - وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ ، أو صحائف أعمال العباد أو علم اللَّه الأزلي . ومنهم من يرى أن الضمير في قوله * ( مِنْ عُمُرِه ) * يعود إلى الشخص ذاته وهو المعمر فيكون المعنى : وما يمد اللَّه - تعالى - في عمر إنسان ، ولا ينقص من عمره بمضي أيام حياته ، إلا وكل ذلك ثابت في علمه - سبحانه - . قال بعض العلماء : وقد أطال بعضهم الكلام في ذلك ومحصله : أنه اختلف في معنى * ( مُعَمَّرٍ ) * فقيل : هو المزاد عمره بدليل ما يقابله من قوله ولا ينقص ، وقيل : المراد بقوله * ( مُعَمَّرٍ ) * من يجعل له عمر . وهل هو شخص واحد أو شخصان ؟ فعلى رأى من قال بأن المعمر ، هو من يجعل له عمر يكون شخصا واحدا بمعنى انه يكتب عمره مائة سنة - مثلا - ، ثم يكتب تحته مضى يوم ، مضى يومان ، وهكذا فكتابة الأصل هي التعمير . . والكتابة بعد ذلك هو النقص كما قيل : حياتك أنفاس تعدّ فكلما مضى نفس منها انتقصت به جزءا والضمير حينئذ راجع إلى المذكور . والمعمر على هذا هو الذي جعل اللَّه - تعالى - له عمرا طال هذا العمر أو قصر . وعلى رأى من قال بأن المعمر هو من يزاد في عمره ، يكون من ينقص في عمره غير الذي