سيد محمد طنطاوي

333

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

يزاد في عمره فهما شخصان . والضمير في « عمره » على هذا الرأي يعود إلى شخص آخر ، إذ لا يكون المزيد في عمره منقوصا من عمره . . » « 1 » . وقد رجح ابن جرير - رحمه اللَّه - الرأي الأول وهو أن الضمير في قوله * ( مِنْ عُمُرِه ) * يعود إلى شخص آخر - فقال : وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب ، التأويل الأول ، وذلك أن ذلك هو أظهر معنييه ، وأشبههما بظاهر التنزيل « 2 » . واسم الإشارة في قوله * ( إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيرٌ ) * يعود إلى الخلق من تراب وما بعده . أي : إن ذلك الذي ذكرناه لكم من خلقكم من تراب ، ثم من نطفة . . يسيروهين على اللَّه - تعالى - لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء على الإطلاق . ثم ذكر - سبحانه - نوعا آخر من أنواع بديع صنعه ، وعجيب قدرته ، فقال : * ( وما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ ، هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُه ، وهذا مِلْحٌ أُجاجٌ . . ) * . والماء العذب الفرات : هو الماء السائغ للشرب ، الذي يشعر الإنسان عند شربه باللذة وهو ماء الأنهار . وسمى فراتا لأنه يفرت العطش ، أي : يقطعه ويزيله ويكسره . والماء الملح الأجاج : هو الشديد الملوحة والمرارة وهو ماء البحار . سمى أجاجا من الأجيج وهو تلهب النار ، لأن شربه يزيد العطشان عطشا وتعبا . قالوا : والآية الكريمة مثل للمؤمن والكافر . فالبحر العذب : مثل للمؤمن ، والبحر الملح : مثل للكافر . فكما أن البحرين اللذين أحدهما عذب فرات سائغ شرابه . والآخر ملح أجاج . لا يتساويان في طعمهما ومذاقهما . وإن اشتركا في بعض الفوائد - فكذلك المؤمن والكافر ، لا يتساويان في الخاصية العظمى التي خلقا من أجلها ، وهي إخلاص العبادة للَّه الواحد القهار ، وإن اشتركا في بعض الصفات الأخرى كالسخاء والشجاعة - لأن المؤمن استجاب لفطرته فآمن بالحق ، أما الكافر فقد عاند فطرته ، فأصر على الكفر . وقوله : * ( ومِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا ) * بيان لبعض النعم التي وهبها - سبحانه - لعباده من وجود البحرين . أي : ومن كل واحد منهما تأكلون لحما طريا ، أي : غضا شهيا مفيدا لأجسادكم ، عن طريق ما تصطادونه منهما من أسماك وما يشبهها .

--> ( 1 ) تفسير القاسمي ج 14 ص 4976 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 22 ص 81 .