سيد محمد طنطاوي

308

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وبهذا الاسناد قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : بعثت أنا والساعة جميعا ، إن كادت لتسبقني » « 1 » . ثم أمره - سبحانه - للمرة الثانية أن يصارحهم بأنه لا يريد منهم أجرا على دعوته إياهم إلى ما يسعدهم فقال : * ( قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّه ، وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) * . أي : وقل لهم - أيها الرسول الكريم . بعد أن دعوتهم إلى التفكير الهادئ ، المتأنى في أمرك : إني ما طلبت منكم أجرا على دعوتي إياكم إلى الحق والخير ، وإذا فرض وطلبت فهو مردود عليكم . لأنى لا ألتمس أجرى إلا من اللَّه - تعالى - وحده ، وهو - سبحانه - على كل شيء شهيد ورقيب ، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . قال الآلوسي قوله : قل ما سألتكم من أجر ، أي : مهما سألتكم من نفع على تبليغ الرسالة * ( فَهُوَ لَكُمْ ) * والمراد نفى السؤال رأسا ، كقولك لصاحبك إن أعطيتني شيئا فخذه ، وأنت تعلم أنه لم يعطك شيئا : فما شرطية . مفعول * ( سَأَلْتُكُمْ ) * وقوله * ( فَهُوَ لَكُمْ ) * الجواب - وقيل هي موصولة ، والعائد محذوف ، ومن للبيان ودخلت الفاء في الخبر لتضمنها معنى الشرط . أي : الذي سألتكموه من الأجر فهو لكم ، وثمرته تعود إليكم « 2 » . ثم أمره - سبحانه - للمرة الثالثة ، أن يبين لهم أنهم لا قدرة لهم على مجادلته أو محاربته ، لأن اللَّه - تعالى - قد سلحه بما ينصره عليهم فقال : * ( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) * وأصل القذف : الرمي بقوة وشدة والمراد به هنا : ما يوحيه اللَّه - تعالى - على نبيه صلى اللَّه عليه وسلَّم من قرآن وتوجيهات وإلهامات ، والباء في قوله * ( بِالْحَقِّ ) * للسببية . أي : قل لهم - أيها الرسول الكريم - إن ربي يلقى الوحي إلى وإلى أنبيائه ، بسبب الحق الذي كلفهم بتبليغه إلى الناس ، وهو - سبحانه - وحده علام الغيوب . قال الجمل : ما ملخصه قوله : * ( يَقْذِفُ بِالْحَقِّ ) * يجوز أن يكون مفعوله محذوفا ، لأن القذف في الأصل الرمي ، وعبر به هنا عن الإلقاء . أي : يلقى الوحي إلى أنبيائه بالحق ، أي : بسبب الحق ، أو متلبسا الحق . ويجوز أن يكون التقدير : يقذف الباطل بالحق ، كما قال - تعالى - بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُه .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 513 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 22 ص 155 .