سيد محمد طنطاوي

309

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ويجوز أن يكون المعنى : قل إن ربي يقضى ويحكم بالحق ، بتضمين « يقذف » معنى يقضى ويحكم « 1 » . ثم أمره - عز وجل - للمرة الرابعة أن يبين لهم أن باطلهم سيزول لا محالة وسينتهي أمره انتهاء لن تقوم له بعد قائمة فقال - تعالى - * ( قُلْ جاءَ الْحَقُّ وما يُبْدِئُ الْباطِلُ وما يُعِيدُ ) * والإبداء : هو فعل الأمر ابتداء . والإعادة : فعله مرة أخرى ، ولا يخلو الحي منهما ، فعدمهما كناية عن هلاكه . كما يقول : فلان لا يأكل ولا يشرب ، كناية عن هلاكه . أي : قل أيها الرسول لهؤلاء الكافرين ، لقد جاء الحق المتمثل في دين الإسلام الذي أرسلني به إليكم ربي ، وما دام الإسلام قد جاء ، فإن الباطل المتمثل في الكفر الذي أنتم عليه ، قد آن له أن يذهب وأن يزول ، وأن لا يبقى له إبداء أو إعادة ، فقد اندثر وأهيل عليه بالتراب إلى غير رجعة . ثم أمره - سبحانه - للمرة الخامسة أن يصارحهم بأنه مسؤول أمام اللَّه عما يرشدهم إليه ، وأنهم ليسوا مسئولين عن هدايته أو ضلاله ، فقال - تعالى - : * ( قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي ، وإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي . ) * أي : وقل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل الإرشاد والتنبيه ، إني إن ضللت عن الصراط المستقيم ، وعن اتباع الحق ، فإنما إثم ضلالي على نفسي وحدها لا عليكم ، وإن اهتديت إلى طريق الحق والصواب ، فاهتدائى بسبب ما يوحيه اللَّه - تعالى - إلى من توجيهات حكيمة ، وإرشادات قويمة ، * ( إِنَّه ) * - سبحانه - * ( سَمِيعٌ ) * لكل شيء * ( قَرِيبٌ ) * منى ومنكم . وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة قد أمرت الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم خمس مرات ، أن يخاطب المشركين بما يقطع عليهم كل طريق للتشكيك في شأن دعوته ، وبما يوصلهم إلى طريق الهداية والسعادة لو كانوا يعقلون : وأخيرا نرى سورة « سبأ » تختتم بهذه الآيات ، التي تصور تصويرا مؤثرا ، حالة الكافرين عندما يخرجون من قبورهم للبعث والحساب ، يعلوهم الهلع والفزع ، ويحال بينهم وبين ما يشتهون ، لأن توبتهم جاءت في غير أوانها . . . قال - تعالى - :

--> ( 1 ) حاشية الجمل ج 3 ص 480 .