سيد محمد طنطاوي
305
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقد رجح الإمام الرازي هذا الرأي فقال ما ملخصه : قال المفسرون : معنى الآية : ما بلغ هؤلاء المشركون معشار ما آتينا المتقدمين . . ثم إن اللَّه أخذ هؤلاء المتقدمين ، دون أن تنفعهم قوتهم ، لما كذبوا رسلهم ، فكيف حال هؤلاء الضعفاء - وهم قومك . ثم قال - رحمه اللَّه - : وعندي وجه آخر في معنى الآية ، وهو أن يقال : وكذب الذين من قبلهم ، وما بلغوا معشار ما آتيناهم ، أي : الذين من قبلهم ما بلغوا معشار ما آتينا قومك من البيان والبرهان . وذلك لأن كتابك يا محمد أكمل من سائر الكتب . فإذا كنت قد أنكرت على المتقدمين لما كذبوا رسلهم - مع أنهم لم يؤتوا معشار ما أوتى قومك من البيان - ، فكيف لا أنكر على قومك بعد تكذيبهم لأوضح الكتب ، وأفصح الرسل . . « 1 » ويبدو لنا أن المعنى الأول الذي عبر عنه الإمام الرازي بقوله : قال المفسرون ، هو الأرجح لأنه هو المتبادر من معنى الآية الكريمة ، لأنه يفيد التقليل من شأن مشركي مكة ، بالنسبة لمن سبقهم من الأمم ، من ناحية القوة والغنى . وفي القرآن الكريم آيات متعددة تؤيد هذا المعنى ، منها قوله - تعالى - : أَولَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وأَثارُوا الأَرْضَ وعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها ، وجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ، فَما كانَ اللَّه لِيَظْلِمَهُمْ ، ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 2 » . وبعد هذا الحديث عن أقوال المشركين في شأن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وفي شأن القرآن . . وبعد هذا الرد الملزم لهم ، والمزهق لباطلهم . بعد كل ذلك لقن اللَّه - تعالى - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الحجج القاطعة ، والأقوال الحكيمة ، التي تهدى إلى الرشد بأبلغ أسلوب ، وأصدق بيان ، فقال - تعالى - : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 46 إلى 50 ] قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّه مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ( 46 ) قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّه وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 47 ) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ( 48 ) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وما يُبْدِئُ الْباطِلُ وما يُعِيدُ ( 49 ) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ ( 50 )
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 24 . ( 2 ) سورة الروم . الآية 9 .