سيد محمد طنطاوي

306

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - تعالى - * ( أَعِظُكُمْ ) * من الوعظ ، وهو تذكير الغير بالخير والبر بكلام مؤثر رقيق يقال : وعظه يعظه وعظا وعظة ، إذا أمره بالطاعة ووصاه بها . وقوله * ( بِواحِدَةٍ ) * صفة لموصوف محذوف . والتقدير : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين قالوا الكذب في شأنك وفي شأن ما جئت به ، قل لهم : إنما أعظكم وآمركم وأوصيكم بكلمة واحدة ، أو بخصلة واحدة . ثم فسر - سبحانه - هذه الكلمة بقوله : * ( أَنْ تَقُومُوا لِلَّه مَثْنى وفُرادى ) * . والمراد بالقيام هنا : التشمير عن ساعد الجد ، وتلقى ما جاءهم به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بقلب مفتوح . وعقل واع ، ونفس خالية من التعصب والحقد والعكوف على التقليد . و * ( مَثْنى وفُرادى ) * أي : متفرقين اثنين اثنين ، وواحدا واحدا ، وهما منصوبان على الحال . * ( ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ) * بعد ذلك في أمر هذا الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وفي أمر رسالته ، وفي أمر ما جاء به من عند ربه ، فعند ذلك ترون أنه على الحق ، وأنه قد جاءكم بما يسعدكم . فالآية الكريمة تأمرهم أن يفكر كل اثنين بموضوعية وإنصاف في أمر الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ثم يعرض كل واحد منهما حصيلة تفكيره على صاحبه ، وأن يفكر كل واحد منهم على انفراد - أيضا في شأن هذا الرسول ، من غير تعصب وهوى . وقدم الاثنين في القيام على المنفرد ، لأن تفكير الاثنين في الأمور بإخلاص واجتهاد وتقدير ، أجدى في الوصول إلى الحق من تفكير الشخص الواحد ولم يأمرهم بأن يتفكروا في جماعة ، لأن العقلية الجماعية كثيرا ما تتبع الانفعال الطارئ ، وقلما تتريث في الحكم على الأمور .