سيد محمد طنطاوي
300
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
إلا ملكان ينزلان ، فيقول أحدهما : اللهم اعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر : اللهم اعط ممسكا تلفا . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت جانبا من شبهات المشركين ، ومن أقوالهم الباطلة ، وردت عليهم بما يزهق باطلهم ، ويمحو شبهاتهم ، لكي يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم . ثم بين - سبحانه - حال أولئك المشركين يوم القيامة ، وكيف أن الملائكة يكذبونهم في مزاعمهم ، فقال - تعالى - : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 40 إلى 42 ] ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ( 40 ) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ( 41 ) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً ولا ضَرًّا ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 42 ) أي : واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ * ( يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ) * أي : يجمع اللَّه - سبحانه - الكافرين جميعا . الذين استضعفوا في الدنيا والذين استكبروا . * ( ثُمَّ يَقُولُ ) * - عز وجل - * ( لِلْمَلائِكَةِ ) * على سبيل التبكيت والتقريع للمشركين * ( أَهؤُلاءِ ) * الكافرون * ( إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ) * أي : أهؤلاء كانوا يعبدونكم في الدنيا . وأنتم رضيتم بذلك . و * ( هؤُلاءِ ) * مبتدأ ، وخبره « كانوا يعبدون » و * ( إِيَّاكُمْ ) * مفعول يعبدون . وتخصيص الملائكة بالخطاب مع أن من الكفار من كان يعبد الأصنام ، ومن كان يعبد غيرها ، لأن المقصود من الخطاب حكاية ما يقوله الملائكة في الرد عليهم . قال صاحب الكشاف : هذا الكلام خطاب للملائكة . وتقريع للكفار وارد على المثل السائر : إياك أعنى واسمعي يا جارة ، ونحوه قوله - تعالى - لعيسى : أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّه وقد علم - سبحانه - كون الملائكة وعيسى ، منزهين برآء مما وجه عليهم من السؤال ، والغرض أن يقول ويقولوا ، ويسأل ويجيبوا ، فيكون التقريع