سيد محمد طنطاوي
301
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
للمشركين أشد ، والتعبير أبلغ ، وهوانهم ألزم . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ ) * حكاية لأقوال الملائكة . أي : قال الملائكة في الإجابة على سؤال خالقهم . * ( سُبْحانَكَ ) * أي : ننزهك ونقدسك عن أن يكون لك شريك في عبادتك وطاعتك * ( أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ ) * أي : أنت الذي نواليك ونتقرب إليك وحدك بالعبادة ، وليس بيننا وبين هؤلاء المشركين أي موالاة أو قرب ، ولا دخل لنا في عبادتهم لغيرك . ثم صرحوا بما كان المشركون يعبدونه في الدنيا فقالوا : * ( بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ) * . أي : إن هؤلاء المشركين لا علم لنا بأنهم كانوا يعبدوننا ، ونبرأ من ذلك إن كانوا قد عبدونا ، وهم إنما كانوا يعبدون في الدنيا * ( الْجِنَّ ) * أي الشياطين ، وكان أكثر هؤلاء المشركين يؤمنون بعبادة الشياطين ، ويطيعونهم فيما يأمرونهم به ، أو ينهونهم عنه . فقوله - تعالى - * ( بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ) * إضراب انتقالي ، لبيان السبب في شرك هؤلاء المشركين ، وتصريح بمن كانوا يعبدونهم في الدنيا . قال الجمل : فإن قيل جميعهم كانوا متابعين للشياطين ، فما وجه قوله - تعالى - * ( أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ) * فإنه يدل على أن بعضهم لم يؤمن بالجن ولم يطعهم ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أن الملائكة احترزوا عن دعوى الإحاطة بهم ، فقالوا أكثرهم ، لأن الذين رأوهم واطلعوا على أحوالهم كانوا يعيدون الجن ، ولعل في الوجود من لم يطلع اللَّه الملائكة على حاله من الكفار . الثاني : هو أن العبادة عمل ظاهر ، والإيمان عمل باطن ، فقالوا : بل كانوا يعبدون الجن لاطلاعهم على أعمالهم ، وقالوا : أكثرهم بهم مؤمنون عند عمل القلب ، لئلا يكونوا مدعين اطلاعهم على ما في القلوب ، فإن القلب لا يطلع على ما فيه إلا اللَّه « 2 » . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الملك في يوم الحساب له وحده فقال : * ( فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً ولا ضَرًّا ) * . أي : فاليوم لا يملك أحد من المعبودين أن ينفع أحدا من العابدين ، أو أن يضره ، بل الذي يملك كل ذلك هو اللَّه - تعالى - وحده .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 587 . ( 2 ) حاشية الجمل ج 3 ص 478 .