سيد محمد طنطاوي
294
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والتعبير بقوله - سبحانه - : * ( مَوْقُوفُونَ ) * يشعر بذلتهم وبؤسهم ، فهم محبوسون للحساب على غير إرادة منهم ، كما يحبس المجرم في سجنه انتظارا لمصيره السيئ . وقوله : * ( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) * تبكيت وتوبيخ لهم ، على ما كانوا يفعلونه في الدنيا من إنكار لليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب وحساب . وقوله - سبحانه - : * ( يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ، لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ) * تفصيل لجانب من محاوراتهم فيما بينهم ، ولما كانوا يراجعون فيه القول بعضهم مع بعض . والمراد بالذين استضعفوا : الأتباع والعامة من الناس ، والمراد بالذين استكبروا : الزعماء والقادة والرؤساء . أي : يقول الأتباع من الكافرين لقادتهم ورؤسائهم بغيظ وحسرة : لولا أنتم منعتمونا عن اتباع الحق لكنا مؤمنين به ، ومتبعين لما جاء به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم . إنهم يقولون لهم في موقف الحساب يوم القيامة ، ما كانوا عاجزين عن قوله في الدنيا . عندما كانوا مستذلين لهم ، وخاضعين لسلطانهم . وهنا يرد الزعماء باستنكار وضيق ، ويحكى ذلك القرآن فيقول : * ( قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) * على سبيل التوبيخ والتقريع * ( أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ ) * كلا ، إننا ما فعلنا ذلك ، ولسنا نحن الذين حلنا بينكم وبين اتباع الحق . * ( بَلْ ) * أنتم الذين * ( كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ) * في حق أنفسكم ، حيث اتبعتمونا باختياركم ، ورضيتم عن طواعية منكم أن تتبعوا غيركم بدون تفكر أو تدبر للأمور . ولم يقتنع الأتباع بما رد به عليهم السادة والكبراء ، بل حكى القرآن للمرة الثانية ردهم عليهم فقال : * ( وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) * في الرد عليهم بحسرة وألم : * ( بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ) * أي قالوا لهم أنتم لستم صادقين في قولكم لنا : إنكم لم تصدونا عن اتباع الهدى بعد إذ جاءنا بل إن مكركم بنا الليل والنهار وإغراءكم لنا بالبقاء على الكفر . وتهديدكم إيانا بالقتل أو التعذيب إذا ما خالفناكم ، وأمركم لنا بأن نكفر باللَّه - تعالى - ونجعل له أندادا ، أي شركاء في العبادة والطاعة . كل ذلك هو الذي حال بيننا وبين اتباع الحق الذي جاءنا به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم . والمكر : هو الاحتيال والخديعة . يقال مكر فلان بفلان ، إذا خدعه وأراد به شرا . وهو هنا فاعل لفعل محذوف والتقدير : بل الذي صدنا عن الإيمان مكركم بنا في الليل