سيد محمد طنطاوي

295

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والنهار ، فحذف المضاف إليه وأقيم مقامه الظرف اتساعا . وقوله : * ( إِذْ تَأْمُرُونَنا . . ) * ظرف للمكر . أي : بل مكركم الدائم بنا وقت أمركم لنا بأن نكفر باللَّه ونجعل له أشباها ونظراء نعبدها من دونه - تعالى - هو الذي حال بيننا وبين اتباع الحق والهدى . قال الجمل : وقوله * ( بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ) * يجوز رفع * ( مَكْرُ ) * من ثلاثة أوجه : أحدها : على الفاعلية بتقدير : بل صدنا مكركم في هذين الوقتين ، الثاني ان يكون مبتدأ خبره محذوف . أي : مكر الليل صدنا عن اتباع الحق . الثالث : العكس ، أي : سبب كفرنا مكركم . وإضافة المكر إلى الليل والنهار إما على الإسناد المجازى كقولهم : ليل ماكر ، فيكون مصدرا مضافا لمرفوعه وإما على الاتساع في الظرف ، فجعل كالمفعول به فيكون مضافا لمنصوبه « 1 » . والضمير المرفوع في قوله - سبحانه - : * ( وأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ ) * يعود إلى الأتباع والزعماء . وأسروا من الإسرار بمعنى الكتمان والإخفاء . أي : وأضمر الذين استضعفوا والمستكبرون الندامة والحسرة حين شاهدوا العذاب المعد لهم جميعا ، وذلك لأنهم بهتوا وشهدوا حين عاينوه ، ودفنت الكلمات في صدورهم فلم يتمكنوا من النطق بها وأصابهم ما أصابهم من الكمد الذي يجعل الشفاه لا تتحرك ، والألسنة لا تنطق . فالمقصود من إسرار الندامة : بيان عجزهم الشديد عن النطق بما يريدون النطق به لفظاعة ما شهدوه من عذاب غليظ قد أعد لهم . وقيل إن * ( أَسَرُّوا النَّدامَةَ ) * بمعنى أظهروها : لأن لفظ أسر من الأضداد . قال الآلوسي ما ملخصه : * ( وأَسَرُّوا ) * أي : أضمر الظالمون من الفريقين * ( النَّدامَةَ ) * على ما كان منهم في الدنيا . . * ( لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ ) * لأنهم بهتوا لما عاينوه فلم يقدروا على النطق . وقيل : أسروا الندامة . بمعنى أظهروها ، فإن لفظ « أسر » من الأضداد ، إذ الهمزة تصلح للإثبات وللسلب ، فمعنى أسره : جعله سره ، أو أزال سره . . « 2 » . ثم بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب بسبب كفرهم فقال : * ( وجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ، هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 475 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 22 ص 146 .