سيد محمد طنطاوي

293

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بالذي بين يديه في قوله - تعالى - : * ( وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْه . . ) * : الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل . قالوا : وذلك لأن المشركين سألوا بعض أهل الكتاب ، عن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فأخبروهم بأن صفاته في التوراة والإنجيل ، فغضبوا وقالوا ما قالوا . . « 1 » . أي : وقال الذين كفروا بإصرار وعناد وجحود لكل ما هو حق : قالوا لن نؤمن بهذا القرآن الذي جئت به يا محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من عند ربك ، ولا نؤمن - أيضا - بالكتب السماوية الأخرى التي تؤيد أنك رسول من عند اللَّه - تعالى - فالآية الكريمة تحكى ما جبل عليه هؤلاء الكافرون من تصميم على الباطل ، ومن نبذ للحق مهما تعددت مصادره . قال الإمام الرازي : لما بين - سبحانه - الأمور الثلاثة ، من التوحيد والرسالة والحشر ، وكانوا بالكل كافرين ، بيّن كفرهم العام بقوله : * ( وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ ، ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْه ) * وقوله : * ( ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْه ) * المشهور أنه التوراة والإنجيل ، وعلى هذا فالمراد بالذين كفروا ، المشركون المنكرون للنبوات والحشر . ويحتمل أن يكون المعنى : لن نؤمن بهذا القرآن ولا بما فيه من الأخبار والآيات والدلائل فيكون المراد بالذي بين يديه ما اشتمل عليه من أخبار وأحكام - ويكون المراد بالذين كفروا عموم الكافرين بما فيهم أهل الكتاب لأن الجميع لا يؤمن بالقرآن ولا بما اشتمل عليه « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( ولَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ ) * بيان لأحوالهم السيئة يوم القيامة ، ولإصرارهم على الكفر . و * ( لَوْ ) * شرطية ، وجوابها محذوف كما أن مفعول * ( تَرى ) * محذوف أيضا و * ( مَوْقُوفُونَ ) * أي محبوسون للحساب يوم القيامة . يقال : وقفت الرجل عن فعل هذا الشيء ، إذا منعته وحجزته عن فعله . أي : ولو ترى - أيها المخاطب - حال الظالمين وقت احتباسهم عند ربهم يوم القيامة ، وهم يتحاورون ويتجادلون فيما بينهم بالأقوال السيئة وكل فريق ، يلقى التبعة على غيره . لو ترى ذلك لرأيت أمرا عجيبا ، وحالا فظيعة ، تنفطر لها القلوب ، وترتعد من هولها النفوس .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 22 ص 144 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي - بتصرف وتلخيص ج 7 ص 18 .