سيد محمد طنطاوي

273

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( والطَّيْرَ ) * بالنصب عطفا على قوله * ( فَضْلًا ) * أي : وسخرنا له الطير لتسبح معه بحمدنا . أو معطوف على محل * ( يا جِبالُ ) * أي : ودعونا الجبال والطير إلى التسبيح معه . قال الإمام ابن كثير - رحمه اللَّه : يخبر - تعالى - عما أنعم به على عبده ورسوله داود - عليه السلام - مما آتاه من الفضل المبين ، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن ، والجنود ذوى العدد والعدد ، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم ، الذي كان إذا سبح به ، تسبح معه الجبال الراسيات ، الصم الشامخات ، وتقف له الطيور السارحات . والغاديات الرائحات ، وتجاوبه بأنواع اللغات . وفي الصحيح أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم سمع صوت أبى موسى الأشعري يقرأ من الليل ، فوقف فاستمع لقراءته ثم قال : « لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير آل داود » « 1 » . وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : أي فرق بين هذا النظم وبين أن يقال : « وآتينا داود منا فضلا » تأويب الجبال معه والطير ؟ قلت : كم بينهما من الفرق ؟ ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى ، من الدلالة على عزة الربوبية وكبرياء الألوهية ، حيث جعلت الجبال منزلة منزلة العقلاء ، الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا ، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا ، إشعارا بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت إلا وهو منقاد لمشيئته ، غير ممتنع على إرادته « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( وأَلَنَّا لَه الْحَدِيدَ ) * ، بيان لنعمة أخرى من النعم التي أنعم بها - سبحانه - عليه . أي : وصيرنا الحديد لينا في يده ، بحيث يصبح - مع صلابته وقوته - كالعجين في يده ، يشكله كيف يشاء ، من غير أن يدخله في نار ، أو أن يطرقه بمطرقة . فالجملة الكريمة معطوفة على قوله * ( آتَيْنا ) * ، وهي من جملة الفضل الذي منحه - سبحانه - لنبيه داود - عليه السلام - . و * ( أَنِ ) * في قوله : * ( أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ ) * مصدرية على حذف حرف الجر . وسابغات صفة لموصوف محذوف .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 485 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 571 .