سيد محمد طنطاوي

274

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : ألنا له الحديد ، لكي يعمل منه دروعا سابغات . والدرع السابغ ، هي الدرع الواسعة التامة . يقال : سبغ الشيء سبوغا ، إذا كان واسعا تاما كاملا . ومنه قولهم : نعمة سابغة ، إذا كانت تامة كاملة . قال - تعالى - : أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّه سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ ، وأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَه ظاهِرَةً وباطِنَةً « 1 » . وقوله : * ( وقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ) * والتقدير هنا بمعنى الإحكام والإجادة وحسن التفكير في عمل الشيء . والسرد : نسج الدروع وتهيئتها لوظيفتها . أي : آتينا داود كل هذا الفضل الذي من جملته إلانة الحديد في يده ، وقلنا له يا داود : اصنع دروعا سابغات تامات ، وأحكم نسج هذه الدروع ، بحيث تكون في أكمل صورة ، وأقوى هيئة . روى أن الدروع قبل عهد داود كانت تعمل بطريقة تثقل الجسم ، ولا تؤدى وظيفتها في الدفاع عن صاحبها ، فألهم اللَّه - تعالى - داود - عليه السلام - أن يعملها بطريقة لا تثقل الجسم ولا تتعبه ، وفي الوقت نفسه تكون محكمة إحكاما تاما بحيث لا تنفذ منها الرماح ، ولا تقطعها السيوف ، وكان الأمر كله من باب الإلهام والتعليم من اللَّه - تعالى - لعبده داود - عليه السلام - . ثم أمر - سبحانه - داود وأهله بالعمل الصالح فقال : * ( واعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) * . أي : واعملوا عملا صالحا يرضيني ، فإني مطلع ومحيط ومبصر لكل ما تعملونه من عمل ، وسأجازيكم عليه يوم القيامة بالجزاء الذي تستحقونه . قال القرطبي : وفي هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع ، وأن التحرف بها لا ينقص من مناصبهم . بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم ، إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم ، والاستغناء عن غيرهم ، وكسب الحلال الخالي عن الامتنان . وفي الصحيح أن النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم قال : « إن خير ما أكل المرء من عمل يده ، وإن نبي اللَّه داود كان يأكل من عمل يده » « 2 » . هذا ما أعطاه اللَّه - تعالى - لنبيه داود من فضل ، أما نبيه سليمان بن داود ، فقد

--> ( 1 ) سورة لقمان . الآية 20 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 267 .