سيد محمد طنطاوي

267

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( لا يَعْزُبُ عَنْه مِثْقالُ ذَرَّةٍ ) * تمثيل لقلة الشيء ، ودقته ، والمراد انه لا يغيب عن علمه شيء ما ، مهما دق أو صغر ، إذ المثقال : مفعال من الثقل ، ويطلق على الشيء البالغ النهاية في الصغر ، والذرة تطلق على النملة ، وعلى الغبار الذي يتطاير من التراب عند النفخ . وفي قوله - سبحانه - : * ( ولا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ ) * إعجاز علمي بليغ للقرآن الكريم ، إذ كان من المعروف إلى عهد قريب ، أن الذرة أصغر الأجسام ، فأشار القرآن إلى أن هناك ما هو أصغر منها ، وهذا ما اكتشفه العلم الحديث بعد تحطيم الذرة ، وتقسيمها إلى جزئيات . قال الجمل : وقوله : * ( ولا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ ) * العامة على رفع أصغر وأكبر ، وفيه وجهان : أحدهما : الابتداء ، والخبر إلا في كتاب ، والثاني : العطف على * ( مِثْقالُ ) * ، وعلى هذا فيكون قوله : * ( إِلَّا فِي كِتابٍ ) * تأكيد للنفي في * ( لا يَعْزُبُ ) * كأنه قال : لكنه في كتاب مبين . فإن قيل : فأي حاجة إلى ذكر الأكبر ، فإن من علم ما هو أصغر من الذرة لا بد وأن يعلم الأكبر ؟ فالجواب : لما كان اللَّه - تعالى - أراد بيان إثبات الأمور في الكتاب ، فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر لكونها محل النسيان ، وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته ، فقال : الإثبات في الكتاب ليس كذلك فإن الأكبر مكتوب أيضا « 1 » . واللام في قوله - تعالى - * ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . ) * متعلقة بقوله * ( لَتَأْتِيَنَّكُمْ ) * وهي للتعليل ولبيان الحكمة في إتيانها . أي : لتأتينكم الساعة أيها الكافرون ، والحكمة في ذلك ليجزي - سبحانه - الذي آمنوا وعملوا الصالحات الجزاء الحسن الذي يستحقونه . * ( أُولئِكَ ) * الموصوفون بصفتي الإيمان والعمل الصالح * ( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) * عظيمة من ربهم لذنوبهم * ( و ) * لهم كذلك * ( رِزْقٌ كَرِيمٌ ) * تنشرح له صدورهم ، وتقرّ به عيونهم . * ( والَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ ) * أي : والذين سعوا في إبطال آياتنا ، وفي تكذيب رسلنا * ( مُعاجِزِينَ ) * أي مسابقين لنا ، لتوهمهم أننا لا نقدر عليهم ، وأنهم يستطيعون الإفلات من عقابنا . يقال : عاجز فلان فلانا وأعجزه إذا غالبه وسبقه . * ( أُولئِكَ ) * الذين يفعلون ذلك * ( لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ) * أي : لهم عذاب من أسوأ أنواع العذاب وأشده ألما وإهانة .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 460 .