سيد محمد طنطاوي

266

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فالجملة الكريمة قد اشتملت على جملة من المؤكدات التي تثبت أن الساعة آتية لا ريب فيها ، ومن ذلك التعبير ب * ( بَلى ) * وبالجملة القسمية . قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابع لهن ، مما أمر اللَّه رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد ، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد : فإحداهن في سورة يونس ، وهي قوله - تعالى - : ويَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ؟ قُلْ إِي ورَبِّي إِنَّه لَحَقٌّ وما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ . والثانية : هذه الآية التي معنا . والثالثة : في سورة التغابن وهي قوله - تعالى - : زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ، قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ . . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْه مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ ولا فِي الأَرْضِ ولا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ ولا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) * تقوية لتأكيد إتيان الساعة . قالوا : لأن تأكيد القسم بجلائل نعوت المقسم به يؤذن بفخامة شأن المقسم عليه ، وقوة إثباته ، وصحته ، لما أن ذلك في حكم الاستشهاد على الأمر « 2 » . وقوله * ( يَعْزُبُ ) * بمعنى يغيب ويخفى ، وفعله من باب « قتل وضرب » . يقال : عزب الشيء يعزب - بضم الزاي وكسرها - إذا غاب وبعد . والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين لإتيان الساعة : كذبتم في إنكاركم وحق اللَّه - تعالى - لتأتينكم ، والذي أخبرني بذلك هو اللَّه - تعالى - * ( عالِمِ الْغَيْبِ ) * أي : عالم ما غاب وخفى عن حسكم ، وهو - سبحانه - لا يغيب عن علمه مقدار أو وزن مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، ولا أصغر من ذلك المثقال ، ولا أكبر منه ، إلا وهو مثبت وكائن في علمه - تعالى - الذي لا يغيب عنه شيء ، أو في اللوح المحفوظ الذي فيه تسجل أحوال الخلائق وأقوالهم وأفعالهم . وقوله - سبحانه - : * ( عالِمِ الْغَيْبِ ) * قرأه بعضهم بكسر الميم على أنه نعت لقوله * ( رَبِّي ) * . أي : قل بلى وربي عالم الغيب لتأتينكم الساعة . وقرأه آخرون بضم الميم على أنه مبتدأ ، وخبره جملة : * ( لا يَعْزُبُ عَنْه ) * ، أو هو خبر لمبتدأ محذوف . أي : هو عالم الغيب .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 482 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 459 .