سيد محمد طنطاوي
265
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( وما يَعْرُجُ فِيها ) * أي : ويعلم ما يصعد فيها من الملائكة والأعمال الصالحة ، كما قال - تعالى - : إِلَيْه يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ والْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه . وعدى العروج بفي لتضمنه معنى الاستقرار ، وهو في الأصل يعدى بإلى قال - تعالى - : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ إِلَيْه فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُه خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ . وقوله : * ( يَعْرُجُ ) * من العروج ، وهو الذهاب في صعود . والسماء جهة العلو مطلقا . * ( وهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ) * أي : وهو - سبحانه - صاحب الرحمة الواسعة ، والمغفرة العظيمة ، لمن يشاء من عباده . وهذه الآية الكريمة - مع وجازة ألفاظها - تصور تصويرا بديعا معجزا ، مظاهر علم اللَّه - تعالى - ، ولو أن أهل الأرض جميعا حاولوا إحصاء * ( ما يَلِجُ فِي الأَرْضِ وما يَخْرُجُ مِنْها ، وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها ) * لما استطاعوا أن يصلوا إلى إحصاء بعض تلك الحشود الهائلة من خلق اللَّه - تعالى - في أرضه أو سمائه . ولكن هذه الحشود العجيبة في حركاتها ، وأحجامها ، وأنواعها ، وأجناسها ، وصورها ، وأحوالها . . قد أحصاها علم اللَّه - تعالى - الذي لا يخفى عليه شيء . ثم حكى - سبحانه - ما قاله الكافرون في شأن يوم القيامة ، فقال - تعالى - * ( وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ) * . أي : وقال الذين كفروا باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، لا تأتينا الساعة بحال من الأحوال ، وإنما نحن نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ، وإذا متنا فإن الأرض تأكل أجسادنا ، ولا نعود إلى الحياة مرة أخرى . وعبروا عن إنكارهم لها بقولهم : * ( لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ) * مبالغة في نفيها نفيا كليا ، فكأنهم يقولون : لا تأتينا الساعة في حال من الأحوال ، لأننا ننكر وجودها أصلا ، فضلا عن إتيانها . وقد أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يرد عليهم بما يؤكد وجودها وإتيانها تأكيدا قاطعا فقال : * ( قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ) * . و « بلى » حرف جواب لرد النفي ، فتفيد إثبات المنفي قبلها ، ثم أكد - سبحانه - ذلك بجملة القسم . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين لإتيان الساعة : ليس الأمر كما زعمتم ، بل هي ستأتيكم بغتة ، وحق ربي الذي أوجدنى وأوجدكم .