سيد محمد طنطاوي
216
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : إذا طلق هؤلاء الأدعياء أزواجهم ، وانقضت عدة هؤلاء الأزواج ، فلا حرج على الذين سبق لهم تبنى هؤلاء الأدعياء أن يتزوجوا بنسائهم ، ولهم في رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أسوة حسنة . * ( وكانَ أَمْرُ اللَّه مَفْعُولًا ) * أي : وكان ما يريده اللَّه - تعالى - حاصلا لا محالة . قال الإمام ابن كثير : قوله : * ( فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها . . ) * أي : لما فرغ منها وفارقها زوجناكها ، وكان الذي ولى تزويجها منه هو اللَّه - عز وجل - . بمعنى : أنه أوحى إليه أن يدخل بها بلا ولىّ ولا مهر ولا عقد ولا شهود من البشر . . روى الإمام أحمد عن أنس قال : لما انقضت عدة زينب - رضى اللَّه عنها - قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلَّم لزيد بن حارثة : « اذهب فاذكرها على » فانطلق حتى آتاها وهي تخمر عجينها . قال : فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها . وجعلت أقول - وقد وليتها ظهري ، ونكصت على عقبى - يا زينب . أبشرى . أرسلني رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم يذكرك قالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي - أي : أستشيره في أمرى - ، فقامت إلى مسجدها . ونزل القرآن . وجاء رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فدخل عليها بغير إذن . . . وروى البخاري عن أنس بن مالك ، أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم فتقول : زوجكن أهاليكن ، وزوجني اللَّه من فوق سبع سماوات . . « 1 » . وقال الإمام الشوكاني : وقوله : * ( لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ . . ) * . أي : في التزوج بأزواج من يجعلونه ابنا ، كما كانت تفعله العرب ، فإنهم كانوا يتبنون من يريدون . . وكانوا يعتقدون أنه يحرم عليهم نساء من تبنوه ، كما تحرم نساء أبنائهم على الحقيقة . والأدعياء : جمع دعى ، وهو الذي يدعى ابنا من غير أن يكون ابنا على الحقيقة . فأخبرهم اللَّه - تعالى - أن نساء الأدعياء حلال لهم - بعد انقضاء العدة - بخلاف الأبناء من الصلب ، فإن نساءهم تحرم على الآباء بنفس العقد عليها . . « 2 » . وبعد أن بين - سبحانه - الحكمة من زواج النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالسيدة زينب بنت جحش ، التي كانت قبل ذلك زوجة لزيد بن حارثة - الذي كان الرسول قد تبناه وأعتقه - بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة في تقرير هذه الحكمة وتأكيدها ، وإزالة كل ما علق بالأذهان بشأنها ، فقال - تعالى - : * ( ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّه لَه . . . ) *
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 420 . ( 2 ) تفسير فتح القدير ج 6 ص 285 .