سيد محمد طنطاوي

217

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : ما كان على النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من حرج أو لوم أو مؤاخذة ، في فعل ما أحله اللَّه له ، وقدره عليه ، وأمره به من زواجه بزينب بعد أن طلقها ابنه بالتبني زيد بن حارثة فقوله : * ( فِيما فَرَضَ اللَّه لَه ) * أي : فيما قسمه له ، وقدره عليه ، مأخوذ من قولهم : فرض فلان لفلان كذا ، أي : قدر له هذا الشيء ، وجعله حلالا له . وقوله - تعالى - : * ( سُنَّةَ اللَّه فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وكانَ أَمْرُ اللَّه قَدَراً مَقْدُوراً ) * زيادة في تأكيد هذه الحكمة ، وفي تقرير صحة ما فرضه اللَّه - تعالى - لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم . أي : ما فعله الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من زواجه بزينب بعد طلاقها من زيد ، قد جعله اللَّه - تعالى - سنة من سننه في الأمم الماضية ، وكان أمر اللَّه - تعالى - قدرا مقدورا . أي : واقعا لا محالة . والقدر : إيجاد اللَّه - تعالى - للأشياء على قدر مخصوص حسبما تقتضي حكمته . ويقابله القضاء : وهو الإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه . وقد يستعمل كل منهما بمعنى الآخر . والأظهر أن قدر اللَّه - تعالى - هنا بمعنى قضائه . ولفظ * ( مَقْدُوراً ) * وصف جيء به للتأكيد ، كما في قولهم : ظل ظليل ، وليل أليل ، ثم مدح - سبحانه - هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين يبلغون دعوته دون أن يخشوا أحدا سواه فقال : * ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّه ) * للذين يكلفهم - سبحانه - بتبليغها لهم . والموصول في محل جر صفة للذين خلوا . أو منصوب على المدح . * ( ويَخْشَوْنَه ) * أي : ويخافونه وحده * ( ولا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّه ) * - عز وجل - في كل ما يأتون وما يذرون ، وما يقولون وما يفعلون . * ( وكَفى بِاللَّه حَسِيباً ) * أي : وكفى باللَّه - تعالى - محاسبا لعباده على نيات قلوبهم وأفعال جوارحهم ، وأقوال ألسنتهم . ثم حدد - سبحانه - وظيفة رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأثنى عليه بما هو أهله ، فقال - تعالى - : * ( ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ ) * أي : لم يكن محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أبا لأحد من رجالكم أبوة حقيقية ، تترتب عليها آثارها وأحكامها من الإرث ، والنفقة والزواج . . . وزيد كذلك ليس ابنا له صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فزواجه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بزينب التي طلقها زيد لا حرج فيه ، ولا شبهة في صحته ، وقوله : * ( ولكِنْ رَسُولَ اللَّه وخاتَمَ النَّبِيِّينَ ) * استدراك لبيان وظيفته وفضله . أي : لم يكن صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أبا لأحدكم على سبيل الحقيقة ، ولكنه كان رسولا من عند اللَّه - تعالى - ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان وكان - أيضا - خاتم النبيين ، بمعنى