سيد محمد طنطاوي
215
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قد أوحى إلى نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن زيدا سيطلق زينب ، وأنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم سيتزوجها ، وكل ما ورد في ذلك هي تلك الرواية التي سبق أن ذكرناها عن علي بن الحسين - رضى اللَّه عنهما - . قال صاحب الظلال : وهذا الذي أخفاه النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في نفسه ، وهو يعلم أن اللَّه مبديه ، هو ما ألهمه اللَّه أن سيفعله . ولم يكن أمرا صريحا من اللَّه . وإلا ما تردد فيه ولا أخره ولا حاول تأجيله . ولجهر به في حينه مهما كانت العواقب التي يتوقعها من إعلانه . ولكنه صلى اللَّه عليه وسلَّم كان أمام إلهام يجده في نفسه ، ويتوجس في الوقت ذاته من مواجهته ومواجهة الناس به حتى أذن اللَّه بكونه . فطلق زيد زوجه في النهاية . وهو لا يفكر لا هو ولا زينب فيما سيكون بعد . . « 1 » . وهذه الأقوال جميعها تهدم هدما تاما كل الروايات التي رويت عن هذا الحادث ، والتي تشبث بها أعداء الإسلام في كل زمان ومكان ، وصاغوا حولها الأساطير والمفتريات . وقوله - سبحانه - : * ( وتَخْشَى النَّاسَ واللَّه أَحَقُّ أَنْ تَخْشاه ) * معطوف على ما قبله ، ومؤكد لمضمونه . أي : تقول له ما قلت ، وتخفى في نفسك ما أظهره اللَّه ، وتخشى أن تواجه الناس بما ألهمك اللَّه - تعالى - به من أمر زيد وزينب ، مع أن اللَّه - تعالى - أحق بالخشية من كل ما سواه . فالجملة الكريمة عتاب رقيق من اللَّه - تعالى - لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وإرشاد له إلى أفضل الطرق ، وأحكم السبل ، لمجابهة أمثال هذه الأمور ، وحلها حلا سليما . ثم بين - سبحانه - الحكمة من زواجه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بزينب فقال : * ( فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها ، لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً ، وكانَ أَمْرُ اللَّه مَفْعُولًا ) * . والوطر : الحاجة . وقضاء الوطر : بلوغ منتهى ما تريده النفس من الشيء ، يقال : قضى فلان وطره من هذا الشيء : إذا أخذ أقصى حاجته منه . والمراد هنا : أن زيدا قضى حاجته من زينب ، ولم يبق عنده أدنى رغبة فيها ، بل صارت رغبته العظمى في مفارقتها . أي : فلما قضى زيد حاجته من زينب ، وطلقها ، وانقضت عدتها ، زوجناكها ، أي : جعلناها زوجة لك ، * ( لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ ) * أو ضيق أو مشقة * ( فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ ) * أي : في الزواج من أزواج أدعيائهم ، الذين تبنوهم * ( إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً ) *
--> ( 1 ) في ظلال القرآن ج 22 ص 595 .