سيد محمد طنطاوي

201

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وفعل أزواج النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مثل ما فعلت عائشة « 1 » . وقال الإمام ابن كثير - بعد أن ساق جملة من الأحاديث في هذا المعنى وكان تحته يومئذ تسع نسوة ، خمس من قريش : عائشة وحفصة ، وأم حبيبة وسودة ، وأم سلمة . وأربع من غير قريش - وهن : صفية بنت حيي النضرية ، وميمونة بنت الحارث الهلالية ، وزينب بنت جحش الأسدية ، وجويرية بنت الحارث المصطلقيّة - رضى اللَّه عنهن . وقال الإمام الآلوسي : فلما خيرهن واخترن اللَّه ورسوله والدار الآخرة ، مدحهن اللَّه - تعالى - على ذلك ، إذ قال - سبحانه - : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ ولا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ ولَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ . . فقصره اللَّه - تعالى - عليهن ، وهن التسع اللاتي اخترن اللَّه ورسوله والدار الآخرة » « 2 » . والمعنى : * ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْواجِكَ ) * اللائي في عصمتك * ( إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها ) * . أي : إن كنتن تردن سعة الحياة الدنيا وبهجتها وزخارفها ومتعها من مأكل ومشرب وملبس ، فوق ما أنتن فيه عندي من معيشة مقصورة على ضروريات الحياة ، وقائمة على الزهد في زينتها . إن كنتن تردن ذلك : * ( فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا ) * . قال الجمل : وقوله : * ( فَتَعالَيْنَ ) * فعل أمر مبنى على السكون ، ونون النسوة فاعل . وأصل هذا الأمر أن يكون الآمر أعلى مكانا من المأمور ، فيدعوه أن يرفع نفسه إليه ، ثم كثر استعماله حتى صار معناه أقبل . وهو هنا كناية عن الاختيار والإرادة . والعلاقة هي أن المخبر يدنو إلى من يخبره « 3 » . وقوله : * ( أُمَتِّعْكُنَّ ) * مجزوم في جواب الأمر . والمتعة : ما يعطيه الرجل للمرأة التي طلقها ، زيادة على الحقوق المقررة لها شرعا ، وقد جعلها - سبحانه - حقا على المحسنين الذين يبغون رضا اللَّه - تعالى - وحسن ثوابه . وقوله * ( وأُسَرِّحْكُنَّ ) * معطوف على ما قبله ، والتسريح : إرسال الشيء ، ومنه تسريح الشعر ليخلص بعضه من بعض . ويقال : سرح فلان الماشية ، إذا أرسلها لترعى .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 163 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 21 ص 181 . ( 3 ) حاشية الجمل ج 3 ص 433 .