سيد محمد طنطاوي
202
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمراد به هنا : طلاق الرجل للمرأة ، وتركها لعصمته . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ، ولا تستطعن الصبر على المعيشة معي ، فلكن أن تخترن مفارقتي ، وإني على استعداد أن أعطيكن المتعة التي ترضينها ، وأن أطلقكن طلاقا لا ضرر فيه ، ولا ظلم معه ، لأنى سأعطيكن ما هو فوق حقكن . * ( وإِنْ كُنْتُنَّ ) * لا تردن ذلك ، وإنما * ( تُرِدْنَ اللَّه ورَسُولَه والدَّارَ الآخِرَةَ ) * . أي : وإنما تردن ثواب اللَّه - تعالى - والبقاء مع رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم ، وإيثار شظف الحياة على زينتها ، وإيثار ثواب الدار الآخرة على متع الحياة الدنيا . إن كنتن تردن ذلك فاعلمن أن * ( اللَّه ) * - تعالى - * ( أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ ) * ، بسبب إيمانهن وإحسانهن * ( أَجْراً عَظِيماً ) * لا يعلم مقداره إلا اللَّه - تعالى - . وبهذا التأديب الحكيم ، والإرشاد القويم ، أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يؤدب نساءه ، وأن يرشدهن إلى ما فيه سعادتهن ، وأن يترك لهن حرية الاختيار . ثم وجه - سبحانه - الخطاب إلى أمهات المؤمنين ، فأدبهن أكمل تأديب وأمرهن بالتزام الفضائل ، وباجتناب الرذائل ، لأنهن القدوة لغيرهن من النساء ، ولأنهن في بيوتهن ينزل الوحي على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال - تعالى - : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 30 إلى 34 ] يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيراً ( 30 ) ومَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّه ورَسُولِه وتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً ( 31 ) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِه مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً ( 32 ) وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الأُولى وأَقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأَطِعْنَ اللَّه ورَسُولَه إِنَّما يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ( 33 ) واذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّه والْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّه كانَ لَطِيفاً خَبِيراً ( 34 )