سيد محمد طنطاوي
200
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
[ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 28 إلى 29 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا ( 28 ) وإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّه ورَسُولَه والدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّه أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ( 29 ) ففي هاتين الآيتين يأمر اللَّه - تعالى - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يخير أزواجه بين أن يعشن معه معيشة الكفاف والزهد في زينة الحياة الدنيا وبين أن يفارقهن ليحصلن على ما يشتهينه من زينة الحياة الدنيا . قال الإمام القرطبي ما ملخصه : قال علماؤنا : هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدم من المنع من إيذاء النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وكان قد تأذى ببعض الزوجات . قيل : سألنه شيئا من عرض الدنيا . وقيل : سألنه زيادة في النفقة . روى البخاري ومسلم - واللفظ لمسلم - عن جابر بن عبد اللَّه قال : دخل أبو بكر يستأذن على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم ، قال : فأذن لأبى بكر فدخل ، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له ، فوجد النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم جالسا حوله نساؤه . قال : فقال عمر ، واللَّه لأقولن شيئا يضحك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : يا رسول اللَّه ، لو رأيت بنت زيد - زوجة عمر - سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها : فضحك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقال : « هن حولي كما ترى يسألننى النفقة » . فقام أبو بكر إلى ابنته عائشة ليضربها ، وقام عمر إلى ابنته حفصة ليضربها وكلاهما يقول : تسألن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ما ليس عنده . فقلن : واللَّه لا نسأل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم شيئا أبدا ليس عنده . ثم نزلت هاتان الآيتان . فبدأ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بعائشة فقال لها : « يا عائشة ، إني أريد أن أعرض عليك أمرا ، أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيرى أبويك » . قالت : وما هو يا رسول اللَّه ؟ فتلا عليها هاتين الآيتين . فقالت : أفيك يا رسول اللَّه أستشير أبوى ! ! بل أختار اللَّه ورسوله والدار الآخرة .