سيد محمد طنطاوي
194
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
حضرها : فوالذي بعثه بالحق نبيا لانهالت - أي : لتفتت - حتى عادت كالكثيب - أي كالرمل المتجمع - لا ترد فأسا ولا مسحاة « 1 » . وهذه الآية الكريمة وإن كان نزولها في غزوة الأحزاب ، إلا أن المقصود بها وجوب الاقتداء بالرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في جميع أقواله وأفعاله ، كما قال - تعالى - : وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه ، وما نَهاكُمْ عَنْه فَانْتَهُوا . والجار والمجرور في قوله - سبحانه - : * ( لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّه والْيَوْمَ الآخِرَ ) * متعلق بمحذوف صفة لقوله * ( حَسَنَةٌ ) * ، أو بهذا اللفظ نفسه وهو * ( حَسَنَةٌ ) * . والمراد بمن كان يرجو اللَّه واليوم الآخر : المؤمنون الصادقون الذين وفوا بعهودهم . أي : لقد كان لكم - أيها الناس - قدوة حسنة في نبيكم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وهذه القدوة الحسنة كائنة وثابتة للمؤمنين حق الإيمان . الذين يرجون ثواب اللَّه - تعالى - ، ويؤملون رحمته يوم القيامة ، إذ هم المنتفعون بالتأسي برسولهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقوله : * ( وذَكَرَ اللَّه كَثِيراً ) * معطوف على * ( كانَ ) * ، أي : هذه الأسوة الحسنة بالرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ثابتة لمن كان يرجو اللَّه واليوم والآخر ، ولمن ذكر اللَّه - تعالى - ذكرا كثيرا ، لأن الملازمة لذكر اللَّه - تعالى - توصل إلى طاعته والخوف منه - سبحانه - . وجمع - سبحانه - بين الرجاء والإكثار من ذكره ، لأن التأسي التام بالرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لا يتحقق إلا بهما . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك - على سبيل التشريف والتكريم - ما قاله المؤمنون الصادقون عندما شاهدوا جيوش الأحزاب ، فقال - تعالى - : * ( ولَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّه ورَسُولُه ، وصَدَقَ اللَّه ورَسُولُه ، وما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وتَسْلِيماً ) * . واسم الإشارة * ( هذا ) * يعود إلى ما رأوه من الجيوش التي جاء بها المشركون ، أو إلى ما حدث لهم من ضيق وكرب بسبب ذلك . أي : وحين رأى المؤمنون الصادقون جيوش الأحزاب وقد أقبلت نحو المدينة ، لم يهنوا ولم يجزعوا ، بل ثبتوا على إيمانهم وقالوا * ( هذا ) * الذي نراه من خطر داهم ، هو ما وعدنا به اللَّه ورسوله ، وأن هذا الخطر سيعقبه النصر ، وهذا الضيق سيعقبه الفرج ، وهذا العسر سيأتي بعده اليسر .
--> ( 1 ) راجع السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 229 وما بعدها .