سيد محمد طنطاوي
195
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الآلوسي ما ملخصه : وأرادوا بقولهم ذلك ، ما تضمنه قوله - تعالى - في سورة البقرة : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ولَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ والضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَه مَتى نَصْرُ اللَّه ، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّه قَرِيبٌ . وكان نزول هذه الآية قبل غزوة الخندق بحول - كما جاء عن ابن عباس . وفي رواية عن ابن عباس - أيضا - أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال لأصحابه : إن الأحزاب سائرون إليكم تسعا أو عشرا ، أي : في آخر تسع ليال أو عشر ، أي : من وقت الاخبار ، أو من غرة الشهر فلما رأوهم قد أقبلوا في الموعد الذي حدده صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قالوا ذلك « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( وصَدَقَ اللَّه ورَسُولُه ) * داخل في حيز ما قالوه . أي : قالوا عندما شاهدوا جيوش الأحزاب : هذا ما وعدنا اللَّه ورسوله ، وقالوا - أيضا - على سبيل التأكيد وقوة اليقين والتعظيم لذات اللَّه ، ولشخصية رسوله : وصدق اللَّه ورسوله ، أي : وثبت صدق اللَّه - تعالى - في أخباره ، وصدق رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في أقواله . والضمير في قوله : * ( وما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وتَسْلِيماً ) * يعود إلى ما رأوه من جيوش الأحزاب ، ومن شدائد نزلت بهم بسبب ذلك . أي - وما زادهم ما شاهدوه من جيوش الأحزاب ، ومن بلاء أحاط بهم بسبب ذلك ، إلا إيمانا بقدرة اللَّه - تعالى - وتسليما لقضائه وقدره ، وأملا في نصره وتأييده . ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا المديح لهم ، مديحا آخر فقال : * ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّه عَلَيْه ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَه ، ومِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ، وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) * والنحب : النذر ، وهو أن يلتزم الإنسان الوفاء بأمر تعهد به . وقضاؤه : الفراغ منه ، والوفاء به على أكمل وجه . وكان رجال من الصحابة قد نذروا ، أنهم إذا صاحبوا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في حرب ، أن يثبتوا معه ، وأن لا يفروا عنه . والمعنى : من المؤمنين رجال كثيرون ، وفوا أكمل وفاء بما عاهدوا اللَّه - تعالى - عليه ، من التأييد لرسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ومن الثبات معه في كل موطن . * ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَه ) * أي : فمنهم من وفى بوعده حتى أدركه أجله فمات شهيدا -
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 21 ص 169 .