سيد محمد طنطاوي

18

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الدين الباطل ، ودخوله في الدين الحق * ( جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ ) * له أي جعل عذابهم له ، وإيذاءهم إياه * ( كَعَذابِ اللَّه ) * أي بمنزلة عذاب اللَّه في الشدة والألم ، فيترتب على ذلك أن يتزلزل إيمانه ، ويضعف يقينه ، بل ربما رجع إلى الكفر بعد الإيمان . وفي جعل هذا البعض * ( فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّه ) * دليل واضح على ضعف إيمانه ، وفساد تفكيره ، لأن عذاب الناس له دافع ، أما عذاب اللَّه فلا دافع له ، ولأن عذاب الناس يترتب عليه ثواب عظيم ، أما عذاب اللَّه فهو بسبب غضب اللَّه - سبحانه - على من عصاه ، ولأن عذاب الناس معروف أمده ونهايته أما عذاب اللَّه فلا يعرف أحد مداه أو نهايته . ثم بين - سبحانه - حال هذا الفريق إذا ما منّ اللَّه - تعالى - على المؤمنين الصادقين بنصر ، فقال : * ( ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ ، لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ) * . والضمير في قوله : * ( لَيَقُولُنَّ ) * بضم اللام يعود إلى * ( مِنَ ) * في قوله : * ( مَنْ يَقُولُ ) * . باعتبار معناها ، كما أن إفراد الضمائر العائدة إليها باعتبار لفظها ، أي : هكذا حال ضعاف الإيمان ، عند الشدائد يساوون عذاب الناس بعذاب اللَّه ، ولا يثبتون على إيمانهم أما إذا جاءكم النصر - أيها الرسول الكريم - فإن هؤلاء الضعاف في إيمانهم ، يقولون بكل ثقة وتأكيد : إنا كنا معكم مشايعين ومؤيدين ، ونحن إنما أكرهنا على ما قلنا ، وما دام الأمر كذلك فأشركونا معكم فيما ترتب على النصر من مغانم وخيرات . وقوله - سبحانه - : * ( أَولَيْسَ اللَّه بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ ) * رد عليهم في دعواهم الإيمان ، وفي قولهم للمؤمنين : * ( إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ) * والاستفهام لإنكار ما زعموه ، ولتقرير علم اللَّه - تعالى - الشامل للسر والعلانية . أي : إن اللَّه - تعالى - عالم بما في صدور العالمين جميعا من خير وشر ، وإيمان وكفر . وإن هؤلاء الذين يقولون آمنا ، ليس اللَّه - تعالى - في حاجة إلى قولهم ، فهو - سبحانه - يعلم السر وأخفى * ( ولَيَعْلَمَنَّ اللَّه ) * - تعالى - علما تاما * ( الَّذِينَ آمَنُوا ) * به حق الإيمان * ( ولَيَعْلَمَنَّ ) * حال المنافقين ، علما لا يخفى عليه شيء من حركاتهم وسكناتهم . وسيجازيهم بما يستحقون من عقاب . وأكد - سبحانه - علمه بلام القسم وبنون التوكيد ، للرد على دعاوى ضعاف الإيمان بأقوى أسلوب ، وأبلغه ، حتى يقلعوا عن نفاقهم ، ويتبعوا المؤمنين الصادقين في ثباتهم . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما زعمه أئمة الكفر من دعاوى باطلة ، ورد عليها فقال : * ( وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ) * . أي : وقال الذين كفروا للذين آمنوا على سبيل التضليل والإغراء : اتبعوا سبيلنا أي