سيد محمد طنطاوي
19
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
طريقنا الذي وجدنا عليه آباءنا ، وهو عبادة الأصنام ، ولنحمل عنكم خطاياكم يوم القيامة ، إن كان هناك بعث وحساب . واللام في قوله : * ( ولْنَحْمِلْ ) * لام الأمر ، كأنهم آمرين أنفسهم بذلك ، ليغروا المؤمنين باتباعهم . أي : اطمئنوا إلى أننا لن نتخلى عنكم ، ولن ننقض عهودنا معكم في حمل خطاياكم لو اتبعتمونا ، أو هو أمر في تأويل الشرط والجزاء . أي : إن تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم . وقد رد اللَّه - تعالى - زعمهم هذا بقوله : * ( وما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) * أي : وما هؤلاء الكافرون بحاملين لشيء من خطايا غيرهم التي زعموا حملها يوم القيامة ، وإنهم لكاذبون في كل أقوالهم . و * ( مِنْ ) * الأولى بيانية ، والثانية لنفى حمل أي خطايا مهما صغرت . وقد جاء التكذيب لهم بهذا الأسلوب المؤكد ، حتى يخرس ألسنتهم ، ويمحو كل أثر من أقوالهم من الأذهان . ثم بين - سبحانه - أن الأمر على عكس ما زعموه فقال : * ( ولَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ ) * . أي : ليس الأمر - كما - زعموا من أنهم يحملون خطايا المؤمنين ، بل الحق أن أئمة الكفر هؤلاء سيحملون خطاياهم كاملة غير منقوصة ، وسيحملون فوقها خطايا أخرى ، هي خطايا تسببهم في إضلال غيرهم ، وصرفه عن الطريق الحق . وعبر عن الخطايا بالأثقال ، للإشعار بغاية ثقلها ، وفداحة حملها ، وعظم العذاب الذي يترتب عليها . * ( ولَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * سؤال تأنيب وتوبيخ * ( عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ ) * أي : عما كانوا يختلقونه في الدنيا من أكاذيب ، وأباطيل ، أدت بهم إلى سوء المصير . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ومِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ « 1 » . قال الإمام ابن كثير : وفي الصحيح : « من دعا إلى هدى ، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة ، كان عليه من الإثم ، مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة ، من غير أن ينقص من آثامهم شيئا » « 2 » .
--> ( 1 ) آية 25 من سورة النحل . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 377 .