سيد محمد طنطاوي
188
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
تعالى - بكم من خير أو شر ، ومن نعمة أو نقمة ، ومن موت أو حياة . إن أحدا لا يستطيع أن يمنع قضاء اللَّه عنكم . فالاستفهام للإنكار والنفي . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ، ولا عصمة إلا من السوء ؟ قلت : معناه ، أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة ، فاختصر الكلام وأجرى مجرى قول : « متقلدا سيفا ورمحا » - أي : « متقلدا سيفا وحاملا رمحا » « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( ولا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّه وَلِيًّا ولا نَصِيراً ) * معطوف على ما قبله . أي : لا يجدون من يعصمهم مما يريده اللَّه - تعالى - بهم ، ولا يجدون من دونه - سبحانه - وليا ينفعهم ، أو نصيرا ينصرهم ، إذ هو وحده - سبحانه - الناصر والمغيث والمجير . قال - تعالى - : ما يَفْتَحِ اللَّه لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها ، وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَه مِنْ بَعْدِه وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . ثم بين - سبحانه - أن علمه محيط بهؤلاء المنافقين ، وأنهم لن يفلتوا من عقابه ، فقال : * ( قَدْ يَعْلَمُ اللَّه الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ ، والْقائِلِينَ لإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا ولا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ) * . قال الآلوسي ما ملخصه : قال ابن السائب : الآية في عبد اللَّه بن أبي وأمثاله ممن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة . كانوا إذا جاءهم المنافق قالوا له : ويحك اجلس ولا تخرج ، ويكتبون إلى إخوانهم في العسكر ، أن ائتونا فإنا ننتظركم . وكان بعضهم يقول لبعض : ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ، ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه ، فخلوهم « 2 » . و « قد » للتحقيق ، لأن اللَّه - تعالى - لا يخفى عليه شيء . و « المعوقين » من العوق وهو المنع والصرف ، يقال : عاق فلان فلانا ، إذا صرفه عن الجهة التي يريدها . و « من » في قوله * ( مِنْكُمْ ) * للبيان . والمراد بالأخوة : التطابق والتشابه في الصفات الذميمة ، والاتجاهات القبيحة . التي على رأسها كراهيتهم للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ولأصحابه . و « هلم » اسم فعل أمر بمعنى أقبل .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 529 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 21 ص 163 .