سيد محمد طنطاوي

189

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمعنى : إن اللَّه - تعالى - لا يخفى عليه حال أولئك المنافقين . الذين يخذلون ويثبطون ويصرفون إخوانهم في النفاق والشقاق ، عن الاشتراك مع المؤمنين ، في حرب جيوش الأحزاب ، ويقولون لهم : * ( هَلُمَّ إِلَيْنا ) * أي : أقبلوا نحونا ، وتعالوا إلى جوارنا ، ولا تنضموا إلى صفوف المسلمين . وقوله - سبحانه - : * ( ولا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ) * ذم لهم على جبنهم وخورهم . أي : أن من صفاتهم الأصيلة أنهم جبناء ، ولا يقبلون على الحرب والقتال ، إلا إقبالا قليلا . فهم تارة يخرجون مع المؤمنين ، لإيهامهم أنهم معهم ، أو يخرجون معهم على سبيل الرياء والطمع في غنيمة . ثم أخذت السورة الكريمة في تصوير ما جبلوا عليه من سوء تصويرا معجزا ، فقال - تعالى - * ( أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ) * ، جمع شحيح من الشح وهو البخل في أقبح صوره . ولفظ * ( أَشِحَّةً ) * منصوب على الحال من الضمير في قوله : * ( ولا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ) * . أي : أن من صفات هؤلاء المنافقين الجبن والخور ، حالة كونهم بخلاء بكل خير يصل إليكم - أيها المؤمنون - فهم لا يعاونونكم في حفر الخندق ، ولا في الدفاع عن الحق والعرض والشرف ولا في أي شيء فيه منفعة لكم . * ( فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ ) * ، أي فإذا اقترب الوقت الذي يتوقع فيه اللقاء بينكم وبين أعدائكم . * ( رَأَيْتَهُمْ ) * أيها الرسول الكريم - * ( يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ) * بجبن وهلع * ( تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ ) * في مآقيهم يمينا وشمالا . وحالهم كحال الذي * ( يُغْشى عَلَيْه مِنَ الْمَوْتِ ) * أي : كحال الذي أحاط به الموت من كل جانب ، فصار في أقصى دركات الوهن والخوف والفزع . هذه هي حالهم عندما يتوقعون الشدائد والمخاوف ، أما حالهم عند الأمان وذهاب الخوف ، فهي كما قال - تعالى - * ( فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ ) * . وقوله * ( سَلَقُوكُمْ ) * من السّلق . وأصله بسط العضو ومده للأذى ، سواء أكان هذا العضو يدا أو لسانا . والمراد به الإيذاء بالكلام السيئ القبيح . أي : أنهم عند الشدائد جبناء بخلاء ، فإذا ما ذهب الخوف وحل الأمان ، سلطوا عليكم ألسنتهم البذيئة بالأذى والسوء ، ورموكم بألسنة ماضية حادة ، تؤثر تأثير الحديد في الشيء ، وارتفعت أصواتهم بعد أن كانوا إذا ما ذكر القتال أمامهم ، صار حالهم كحال المغشى عليه من الموت .