سيد محمد طنطاوي

187

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنافقين : * ( لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ) * ، لأن كل إنسان لا بد له من نهاية تنتهي عندها حياته ، سواء أكانت تلك النهاية عن طريق القتل بالسيف ، أم عن طريق الموت على الفراش . وما دام الأمر كذلك ، فعلى هؤلاء المنافقين أن يعلموا : أن الجبن لا يؤخر الحياة ، وأن الشجاعة لا تقدمها عن موعدها . وصدق اللَّه إذ يقول : ولِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ . وقوله : * ( إِنْ فَرَرْتُمْ . . ) * جوابه محذوف لدلالة ما سبق عليه . أي : إن فررتم لن ينفعكم فراركم . وقوله : * ( وإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) * تذييل قصد به زجرهم عن الجبن الذي استولى عليهم . أي : إن فراركم من الموت أو القتل ، إن نفعكم - على سبيل الفرض - لفترة من الوقت ، فلن ينفعكم طويلا ، لأنكم لن تتمتعوا بالحياة بعد هذا الفرار إلا وقتا قليلا ، ثم ينزل بكم قضاء اللَّه - تعالى - الذي لا مرد لكم منه ، فما تفرون منه هو نازل بكم قطعا . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يقرعهم بحجة أخرى لا يستطيعون الرد عليها ، فقال : * ( قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّه ، إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً ) * . أي : قل - أيها الرسول - لهؤلاء الجاهلين : من هذا الذي يملك أن يدفع ما يريده اللَّه -