سيد محمد طنطاوي
179
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وخص هؤلاء الأنبياء بالذكر ، للتنويه بفضلهم ، فهم أولو العزم من الرسل ، وهم الذين تحملوا في سبيل إعلاء كلمة اللَّه - تعالى - أكثر مما تحمل غيرهم . وقدم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عليهم في قوله * ( ومِنْكَ ومِنْ نُوحٍ ) * لمزيد فضله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على جميع الأنبياء . قال الآلوسي : ولا يضر تقديم نوح - عليه السّلام - في سورة الشورى ، أعنى قوله - تعالى - : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِه نُوحاً ، والَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ إذ لكل مقام مقال . والمقام في سورة الشورى وصف دين الإسلام بالأصالة . والمناسب فيه تقديم نوح ، فكأنه قيل : شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم ، وبعث عليه محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في العهد الحديث ، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( وأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) * معطوف على ما قبله وهو * ( أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ) * ، لإفادة تفخيم شأن هذا الميثاق المأخوذ على الأنبياء ، وبيان أنه عهد في أقصى درجات الأهمية والشدة . أي : وأخذنا من هؤلاء الأنبياء عهدا عظيم الشأن ، بالغ الخطورة ، رفيع المقدار . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فما ذا أراد بالميثاق الغليظ ؟ قلت : أراد به ذلك الميثاق بعينه . إذ المعنى : وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقا غليظا . والغلظ استعارة في وصف الأجرام . والمراد : عظم الميثاق وجلالة شأنه في بابه . وقيل : المراد بالميثاق الغليظ : اليمين باللَّه على الوفاء بما حملوا « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ) * متعلق بقوله : * ( أَخَذْنا ) * ، أو بمحذوف . والمراد بالصادقين : الأنبياء الذين أخذ اللَّه عليهم الميثاق . أي : فعل - سبحانه - ذلك ليسأل يوم القيامة أنبياءه عن كلامهم الصادق الذي قالوه لأقوامهم ، وعن موقف هؤلاء الأقوام منهم . والحكمة من هذا السؤال تشريف هؤلاء الرسل وتكريمهم ، وتوبيخ المكذبين لهم فيما جاؤهم به من كلام صادق ومن إرشاد حكيم . وقوله - سبحانه - : * ( وأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً ) * معطوف على ما دل عليه قوله ، ليسأل الصادقين .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 21 ص 154 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 525 .