سيد محمد طنطاوي
170
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال ابن كثير : هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى ، فإنه - تعالى - إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا ، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى . وقد قال خلف بن حبيب : التقوى أن تعمل بطاعة اللَّه ، على نور من اللَّه ، ترجو ثواب اللَّه « 1 » . وبعد الأمر بالتقوى ، جاء النهى عن طاعة غير المؤمنين ، فقال - تعالى - : * ( ولا تُطِعِ الْكافِرِينَ والْمُنافِقِينَ ) * . أي : واظب - أيها النبي الكريم - على تقوى اللَّه ، واجتنب طاعة الكافرين الذين جحدوا نعم اللَّه عليهم ، وعبدوا معه آلهة أخرى ، واجتنب كذلك طاعة المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر . وفي إيراد هذا النهى بعد الأمر بتقوى اللَّه ، إشارة وإيحاء إلى ما كان يبذله هؤلاء الكافرون والمنافقون من جهود عنيفة ، لزحزحة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما هو عليه من حق ، ولصرفه عن دعوتهم إلى الإسلام . وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن جماعة من أهل مكة ، طلبوا من النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يرجع عن قوله ، وأن يعطوه شطر أموالهم ، وأن المنافقين واليهود بالمدينة هددوه بالقتل إن لم يرجع عن دعوتهم إلى الإسلام ، فنزلت « 2 » . وقوله - تعالى - * ( إِنَّ اللَّه كانَ عَلِيماً حَكِيماً ) * : تعليل الأمر والنهى ، أي : اتبع ما أمرناك به ، وما نهيناك عنه ، لأن اللَّه - تعالى - عليم بكل شيء ، وحكيم في كل أقواله وأفعاله . ثم أمره - سبحانه - باتباع ما يوحيه إليه فقال : * ( واتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ . . ) * أي : واظب على تقوى اللَّه ، وابتعد عن طاعة أعدائك ، واتبع في كل ما تأتى وتذر ، كل ما نوحيه إليك من عندنا اتباعا تاما . فالجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها . من قبيل عطف العام على الخاص . وفي النص على أن الوحي إليه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأن هذا الوحي من ربه الذي تولاه بالتربية والرعاية ، إشعار بوجوب الاتباع التام الذي لا يشوبه انحراف أو تردد . ثم أكد - سبحانه - هذا الأمر تأكيدا قويا فقال : * ( إِنَّ اللَّه كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) * أي : إنه - تعالى - خبير ومحيط بحركات النفوس وبخفايا القلوب ، وكل من يخالف
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 376 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 21 ص 140 .