سيد محمد طنطاوي

171

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ما أمرناه به ، أو نهيناه عنه ، فلا يخفى علينا أمره ، وسنجازيه يوم القيامة بما يستحقه . وقوله - سبحانه - : * ( وتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه ) * أي : وفوض أمرك إليه - عز وجل - وحده . * ( وكَفى بِاللَّه وَكِيلًا ) * أي : وكفى بربك حافظا لك ، وكفيلا بتدبير أمرك . فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد تضمنت ثلاثة أوامر : تقوى اللَّه ، واتباع وحيه ، والتوكل عليه - تعالى - وحده . كما تضمنت نهيه صلى اللَّه عليه وسلم عن طاعة الكافرين والمنافقين . وباتباع هذه الأوامر والنواهي ، يسعد الأفراد ، وتسعد الأمم . ثم أبطل - سبحانه - بعض العادات التي كان متفشية في المجتمع ، وكانت لا تتناسب مع شريعة الإسلام وآدابه ، فقال - تعالى - : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 4 إلى 5 ] ما جَعَلَ اللَّه لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه وما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ واللَّه يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ( 4 ) ادْعُوهُمْ لآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّه فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ ومَوالِيكُمْ ولَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِه ولكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وكانَ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً ( 5 ) قال القرطبي ما ملخصه : قوله - تعالى - * ( ما جَعَلَ اللَّه لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه ) * نزلت في رجل من قريش اسمه جميل بن معمر الفهري ، كان حفاظا لما يسمع ، وكان يقول : لي قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد . فلما هزم المشركون يوم بدر ، ومعهم هذا الرجل ، رآه أبو سفيان وهو معلق إحدى نعليه في يده والأخرى في رجله - من شدة الهلع - ، فقال له أبو سفيان : ما حال الناس ؟ قال : انهزموا . فقال له : فما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك ؟ قال : ما شعرت إلا أنهما في رجلي . فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده .