سيد محمد طنطاوي
163
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
مقدّمة 1 - سورة الأحزاب هي السورة الثالثة والثلاثون في ترتيب المصحف وهي من السور المدنية ، وكان نزولها بعد سورة آل عمران ، أي : أنها من أوائل السور المدنية ، إذ لم يسبقها في النزول بعد الهجرة سوى سور : البقرة والأنفال وآل عمران . ويبدو : أن نزولها كان في الفترة التي أعقبت غزوة بدر ، إلى ما قبل صلح الحديبية . وعدد آياتها ثلاث وسبعون آية . 2 - وقد افتتحت سورة الأحزاب بنداء من اللَّه - تعالى - لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم ، نهته فيه عن طاعة المنافقين والكافرين ، وأمرته بالمداومة على طاعة اللَّه - تعالى - وحده ، وباتباع أمره ، وبالتوكل عليه - سبحانه - . قال - تعالى - : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّه ولا تُطِعِ الْكافِرِينَ والْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّه كانَ عَلِيماً حَكِيماً . واتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّه كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً وتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه وكَفى بِاللَّه وَكِيلًا . 3 - ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان حكم اللَّه - تعالى - في بعض التقاليد والأوضاع الاجتماعية التي كانت سائدة في المجتمع في ذلك الوقت ، فأبطلت التبني ، كما أبطلت ما كان سائدا في المجتمع من عادة الظهار ، وهو أن يقول الرجل لزوجته : أنت على كظهر أمي ، فتصير محرمة عليه حرمة مؤبدة . قال - تعالى - : ما جَعَلَ اللَّه لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه ، وما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ ، وما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ، ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ ، واللَّه يَقُولُ الْحَقَّ ، وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ . ادْعُوهُمْ لآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّه . 4 - ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض الأحكام التشريعية الأخرى ، كوجوب طاعة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم طاعة تفوق طاعتهم لأنفسهم ، ولوجوب تعظيم المسلمين لزوجاته صلى اللَّه عليه وسلم كتعظيم أمهاتهم ، وكوجوب التوارث بين الأقارب بالطريقة التي بينها -