سيد محمد طنطاوي

155

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بالكتاب في قوله - تعالى - : ولَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة التي أنزلها - سبحانه - لتكون هداية لبنى إسرائيل . قالوا : وإنما ذكر موسى لقربه من النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ووجود من كان على دينه إلزاما لهم . إنما لم يختر عيسى - عليه السّلام - للذكر وللاستدلال ، لأن اليهود ما كانوا يوافقون على نبوته ، وأما النصارى فكانوا يعترفون بنبوة موسى - عليه السّلام - « 1 » . والضمير المجرور في قوله : * ( فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِه ) * يعود إلى موسى على أرجح لأقوال - أو إلى الكتاب . أي : آتينا موسى الكتاب فلا تكن - أيها الرسول الكريم - في مرية أو شك من لقاء موسى للكتاب الذي أوحيناه إليه ، بقبول ورضا وتحمل لتكاليف الدعوة به ، فكن مثله في لك ، وبلغ ما أنزل إليك من ربك دون أن تخشى أحدا سواه . قال الآلوسي ما ملخصه : قوله : * ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ) * أي : جنس الكتاب * ( فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ ) * أي : شك * ( مِنْ لِقائِه ) * أي : من لقائك ذلك الجنس . وحمل بعضهم * ( الْكِتابَ ) * على العهد ، أي الكتاب المعهود وهو التوراة . ونهيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عن أن يكون في شك ، المقصود به أمته ، والتعريض بمن اتصف بذلك . وقيل الكتاب ، المراد به التوراة ، وضمير ، لقائه ، عائد إليه من غير تقدير مضاف . ولقاء مصدر مضاف إلى مفعوله ، وفاعله موسى ، أي : فلا تكن في مرية من لقاء موسى الكتاب ، ومضاف إلى فاعله ، ومفعوله موسى . أي : من لقاء الكتاب موسى ووصوله إليه . . « 2 » . وهذا الرأي الأخير الذي عبر عنه الآلوسي - رحمه اللَّه - بقوله « وقيل » وهو في رأينا رجح الآراء ، وأقربها إلى الصواب ، لبعده عن التكلف . قال الجمل في حاشيته ، بعد أن ساق ستة أقوال في عودة الضمير في قوله * ( مِنْ لِقائِه ) * : وأظهرها أن الضمير إما لموسى وإما للكتاب . أي : لا ترتب في أن موسى لقى الكتاب أنزل عليه » « 3 » .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 419 . ( 2 ) راجع تفسير الآلوسي ج 21 ص 137 . ( 3 ) حاشية الجمل ج 3 ص 419 .