سيد محمد طنطاوي
156
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال صاحب الكشاف : والضمير في « لقائه » له - أي لموسى - ، ومعناه : إنا آتينا موسى - عليه السّلام - مثل ما آتيناك من الكتب ، ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي ، فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله ، ولقيت نظيره كقوله - تعالى - : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ ، فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( وجَعَلْناه هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ) * أي : وجعلنا الكتاب الذي أنزلناه على نبينا موسى - عليه السّلام - هداية لبنى إسرائيل إلى طريق الحق والسداد . * ( وجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا ) * والأئمة : جمع إمام ، وهو من يقتدى به في الأمور المختلفة . والمراد بهم هنا : من يقتدى بهم في وجوه الخير والبر . أي : وجعلنا من بني إسرائيل أئمة في الخير والصلاح ، يهدون غيرهم إلى الطريق الحق ، بأمرنا وإرادتنا وفضلنا ، وقد وفقناهم لذلك حين صبروا على أداء ما كلفناهم به من عبادات ، وحين تحملوا الشدائد والمحن في سبيل إعلاء كلمتنا . وأنت ترى أن جعلهم أئمة في الخير لم يكن اعتباطا ، وإنما كان بسبب صبرهم على الأذى ، وعلى مشاق الدعوة إلى الحق ، وعلى كل أمر يستلزم الصبر وحبس النفس . وفي ذلك إرشاد وتعليم للمسلمين ، بأن يسلكوا طريق الأئمة الصالحين ، ممن كانوا قبلهم ، وأن يبلغوا دعوة اللَّه إلى غيرهم بصبر ويقين . وقوله - سبحانه - : * ( وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ) * زيادة في مدحهم ، وفي تقرير أنهم أهل للإمامة في الخير . أي : وكانوا بسبب إدراكهم السليم لمعاني آياتنا : يوقنون إيقانا جازما بأنهم على الحق الذي لا يحوم حوله باطل وبأنهم متبعون لشريعة اللَّه - تعالى - التي لا يضل من اتبعها وسار على نهجها . ثم أشار - سبحانه - إلى أن بني إسرائيل جميعا لم يكونوا كذلك ، وإنما كان منهم الأخيار والأشرار ، وأنه - تعالى - سيحكم بين الجميع يوم القيامة بحكمه العادل ، فقال : * ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيه يَخْتَلِفُونَ ) * . أي : إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو وحده الذي يتولى القضاء والحكم بين المؤمنين والكافرين يوم القيامة ، فيما كانوا يختلفون فيه في الدنيا من أمور متنوعة . على رأسها ما يتعلق بالأمور الدينية .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 516 .