سيد محمد طنطاوي
154
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) * عما هم فيه من شرك وكفر وفسوق وعصيان . ثم بين - سبحانه - حال من يدعى إلى الهدى فيعرض عنه ، فقال : * ( ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّه ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها ) * . أي : لا أحد أشد ظلما وكفرا ممن ذكره المذكر بالآيات الدالة على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته ، وعلى أن دين الإسلام هو الحق ، ثم أعرض عنها جحودا وعنادا . * ( إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ) * أي : إنّا من أهل الإجرام والجحود لآياتنا منتقمون انتقاما يذلهم ويهينهم . قال صاحب الكشاف : « ثم » في قوله * ( ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها ) * للاستبعاد . والمعنى : أن الإعراض عن مثل آيات اللَّه ، في وضوحها وإنارتها وإرشادها إلى سواء السبيل ، والفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعد في العقل والعدل . كما تقول لصاحبك : وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها ، استبعادا لتركه الانتهاز . ومنه « ثم » في بيت الحماسة : لا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدتها . فإن قلت : هلا قيل : إنا منه منتقمون ؟ قلت : لما جعله أظلم كل ظالم ، ثم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ، فقد دل على إصابة الأظلم بالنصيب الأوفر من الانتقام ، ولو قاله بالضمير لم يفد هذه الإفادة « 1 » . ثم أشارت السورة الكريمة بعد ذلك إلى ما أعطاه اللَّه - تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - من نعم . وما منحه للصالحين من قومه من منن ، فقال - تعالى - : [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 23 إلى 25 ] ولَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِه وجَعَلْناه هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ( 23 ) وجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ( 24 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيه يَخْتَلِفُونَ ( 25 )
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 515 .