سيد محمد طنطاوي
144
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أيام هذه الأرض ، مقياس زمنى ناشئ من دورة هذه الأرض حول نفسها أمام الشمس مرة ، تؤلف ليلا ونهارا على هذه الأرض . . وهو مقياس يصلح لنا نحن أبناء هذه الأرض الصغيرة الضئيلة . أما حقيقة هذه الأيام الستة المذكورة في القرآن ، فعلمها عند اللَّه . ولا سبيل لنا إلى تحديدها وتعيين مقدارها ، فهي من أيام اللَّه التي يقول عنها : وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) * إشارة إلى استعلائه وهيمنته على شؤون خلقه . وقال بعض العلماء : وعرش اللَّه - تعالى - مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم . . وقد ذكر في إحدى وعشرين آية . وذكر الاستواء على العرش في سبع آيات . أما الاستواء على العرش ، فذهب سلف الأمة ، إلى أنه صفة اللَّه - تعالى - بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل ، لاستحالة اتصافه - سبحانه - بصفات المحدثين ، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به : لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . وأنه يجب الإيمان بها كما وردت ، وتفويض العلم بحقيقتها إليه - تعالى - . قال الإمام مالك : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة . وقال محمد بن الحسن : اتفق الفقهاء جميعا على الإيمان بالصفات ، من غير تفسير ولا تشبيه . وقال الإمام الرازي : إن هذا المذهب هو الذي نقول به ونختاره ونعتمد عليه . . » « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( ما لَكُمْ مِنْ دُونِه مِنْ وَلِيٍّ ولا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ) * أي : ليس لكم - أيها الناس - إذا تجاوزتم حدوده - عز وجل - * ( مِنْ وَلِيٍّ ) * أي : من ناصر ينصركم إن أراد عقابكم ، * ( ولا شَفِيعٍ ) * يشفع لكم عنده لكي يعفو عنكم ، أفلا تعقلون هذه المعاني الواضحة ، وتسمعون هذه المواعظ البليغة ، التي من شأنها أن تحملكم على التذكر والاعتبار والطاعة التامة للَّه رب العالمين . فالآية الكريمة جمعت في توجيهاتها الحكيمة ، بين مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - ، وبين الترهيب من معصيته ومخالفة أمره ، وبين الحض على التذكر والاعتبار .
--> ( 1 ) في ظلال القرآن ج 21 ص 510 . ( 2 ) راجع تفسير صفوة البيان ص 263 لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف .