سيد محمد طنطاوي
145
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم أضاف - سبحانه - إلى ما سبق أن وصف به ذاته ، صفات أخرى تليق بجلاله ، فقال : * ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُه أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) * . وقوله - تعالى - : * ( يُدَبِّرُ ) * من التدبير بمعنى الإحكام والإتقان ، والمراد به هنا : إيجاد الأشياء على هذا النحو البديع الحكيم الذي نشاهده ، وأصل التدبير : النظر في أعقاب الأمور محمودة العاقبة . وقوله : * ( يَعْرُجُ ) * من العروج بمعنى الصعود والارتفاع والصيرورة إليه - تعالى - . والضمير في « إليه » يعود إلى الأمر الذي دبره وأحكمه - سبحانه - . أي : أن اللَّه - تعالى - هو الذي يحكم شؤون الدنيا السماوية والأرضية إلى أن تقوم الساعة ، وهو الذي يجعلها على تلك الصورة البديعة المتقنة ، ثم تصعد إليه - تعالى - تلك الأمور والشئون المدبرة ، في يوم ، عظيم هو يوم القيامة * ( كانَ مِقْدارُه أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) * من أيام الدنيا . قال الآلوسي ما ملخصه : وقوله : * ( مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ ) * متعلقان بقوله : * ( يُدَبِّرُ ) * ومن ابتدائية ، وإلى انتهائية . أي : يريده - تعالى - على وجه الإتقان ومراعاة الحكمة ، منزلا له من السماء إلى الأرض . وإنزاله من السماء باعتبار أسبابه ، فإن أسبابه سماوية من الملائكة وغيرهم . وقوله * ( ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه ) * أي : ذلك الأمر بعد تدبيره . وهذا العروج مجاز عن ثبوته في علمه . . أو عن كتابته في صحف الملائكة بأمره - تعالى - « 1 » . وقال بعض العلماء : وقد ذكر - سبحانه - هنا أنه * ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُه أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) * . وذكر في سورة الحج وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ . وذكر في سورة المعارج تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ إِلَيْه فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُه خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ والجمع بين هذه الآيات من وجهين : الأول : ما جاء عن ابن عباس من أن يوم الألف في سورة الحج ، هو أحد الأيام الستة التي خلق اللَّه فيها السماوات والأرض . ويوم الألف في سورة السجدة ، هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه - تعالى - ، ويوم الخمسين ألفا - في سورة المعارج - هو يوم القيامة .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 21 ص 120 .