سيد محمد طنطاوي
125
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وفي تفسير النعم الظاهرة والباطنة أقوال أخرى ، نرى أن ما ذكرناه أوجهها وأجمعها « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما عليه بعض الناس من جدال بالباطل فقال : * ( ومِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّه بِغَيْرِ عِلْمٍ ، ولا هُدىً ، ولا كِتابٍ مُنِيرٍ ) * . وقوله : * ( يُجادِلُ ) * من الجدال بمعنى المفاوضة على سبيل المخاصمة والمنازعة والمغالبة . مأخوذ من جدلت الحبل ، إذا أحكمت فتله ، فكأن المتجادلين يحاول كل واحد منهما أن يقوى رأيه ، ويضعف رأى صاحبه . والمراد من المجادلة في اللَّه : المجادلة في ذاته وصفاته وتشريعاته . . وقوله : * ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) * حال من الفاعل في * ( يُجادِلُ ) * ، وهي حال موضحة لما تشعر به المجادلة هنا من الجهل والعناد . أي : ومن الناس قوم استولى عليهم الجهل والعناد ، لأنهم يجادلون وينازعون في ذات اللَّه ، وفي صفاته ، وفي وحيه ، وفي تشريعاته . . بغير مستند من علم عقلي أو نقلي ، وبغير « هدى » يهديه ويرشده إلى الحق ، وبغير * ( كِتابٍ مُنِيرٍ ) * أي : وبغير وحى ينير عقله وقلبه ، ويوضح له سبيل الرشاد . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد جردت هذا المجادل ، من أي مستند يستند إليه في جداله ، سواء أكان هذا المستند عقليا أم نقليا ، بل أثبتت له الجهالة من كل الجهات . ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المجادلين بالباطل ، لم يكتفوا بذلك ، بل أضافوا إلى رذائلهم السابقة رذائل أخرى منها العناد والتقليد الأعمى ، فقال * ( وإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّه . . ) * . أي : وإذا قيل لهؤلاء المجادلين بالباطل اتبعوا ما أنزله اللَّه - تعالى - على نبيه صلى اللَّه عليه وسلَّم من قرآن كريم ، ومن وحى حكيم . * ( قالُوا ) * على سبيل العناد والتقليد الأعمى * ( بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْه آباءَنا ) * من عبادة الأصنام والأوثان ، والسير على طريقتهم التي كانوا يسيرون عليها . وقوله - سبحانه - : * ( أَولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ) * رد عليهم ، وبيان لبطلان الاعتماد في العقيدة على مجرد تقليد الآباء . والهمزة للاستفهام الإنكارى ، والواو للحال . أي : أيتبعون ما كان عليه آباؤهم ، والحال أن هذا الاتباع هو من وحى الشيطان الذي يقودهم إلى ما يؤدى إلى عذاب السعير . قال الآلوسي : وفي الآية دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر . وأما اتباع الغير
--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 21 ص 93 .