سيد محمد طنطاوي
122
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ونَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ، وإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها ، وكَفى بِنا حاسِبِينَ « 1 » . ثم أمره بالمحافظة على الصلاة وبالأمر بالمعروف ، وبالنهي عن المنكر وبالصبر على الأذى ، فقال : * ( يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ ) * أي : واظب على أدائها في أوقاتها بخشوع وإخلاص للَّه رب العالمين . * ( وأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ ) * أي بكل ما حض الشرع على قوله أو فعله * ( وانْه عَنِ الْمُنْكَرِ ) * أي : عن كل ما نهى الشرع عن قوله أو فعله . * ( واصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ ) * من الأذى ، فإن الحياة مليئة بالشدائد والمحن والراحة إنما هي في الجنة فقط . واسم الإشارة في قوله : * ( إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) * يعود إلى الطاعات المذكورة قبله . وعزم الأمور : أعاليها ومكارمها . أو المراد بها ما أوجبه اللَّه - تعالى - على الإنسان . قال صاحب الكشاف : * ( إِنَّ ذلِكَ ) * مما عزمه اللَّه من الأمور ، أي : قطعه قطع إيجاب وإلزام . . ومنه الحديث : « إن اللَّه يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه » ومنه عزمات الملوك ، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده ، عزمت عليك إلا فعلت كذا . فإذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله ، ولا مندوحة في تركه . وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات ، وأنها كانت مأمورا بها في سائر الأمم ، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن ، سابقة القدم على ما سواها « 2 » . ثم نهاه عن التكبر والغرور والتعالي على الناس فقال : * ( ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ . . ) * . والصعر في الأصل : مرض يصيب البعير فيجعله معوج العنق ، والمراد به هنا ، التكبر واحتقار الناس ، ومنه قول الشاعر : وكنا إذا الجبّار صعر خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبه أي : ولا تمل صفحة وجهك عن الناس ، ولا تتعالى عليهم كما يفعل المتكبرون والمغرورون ، بل كن هينا لينا متواضعا ، كما هو شأن العقلاء . . * ( ولا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً ) * أي : ولا تمش في الأرض مشية المختالين المعجبين
--> ( 1 ) سورة الأنبياء . الآية 47 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 496 .