سيد محمد طنطاوي
123
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بأنفسهم . و * ( مَرَحاً ) * مصدر وقع موقع الحال على سبيل المبالغة ، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف . أي : تمرح مرحا . والجملة في موضع الحال . أو مفعول لأجله . أي : من أجل المرح . وقوله : * ( إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ) * تعليل للنهي . والمختال : المتكبر الذي يختال في مشيته ، ومنه قولهم : فلان يمشى الخيلاء . أي يمشى مشية المغرور المعجب بنفسه . والفخور : المتباهى على الناس بماله أو جاهه أو منصبه . . يقال فخر فلان - كمنع - فهو فاخر وفخور ، إذا تفاخر بما عنده على الناس ، على سبيل التطاول عليهم ، والتنقيص من شأنهم . أي : إن اللَّه - تعالى - لا يحب من كان متكبرا على الناس ، متفاخرا بماله أو جاهه . ثم أمر بالقصد والاعتدال في كل أموره فقال : * ( واقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) * أي وكن معتدلا في مشيك ، بحيث لا تبطئ ولا تسرع . من القصد وهو التوسط في الأمور . * ( واغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ) * واخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا استدعى الأمر رفعه ، فإن غض الصوت عند المحادثة فيه أدب وثقة بالنفس ، واطمئنان إلى صدق الحديث واستقامته . وكان أهل الجاهلية يتفاخرون بجهارة الصوت وارتفاعه ، فنهى المؤمنون عن ذلك ، ومدح - سبحانه - الذين يخفضون أصواتهم في مجلس رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه ، أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّه قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأَجْرٌ عَظِيمٌ . وقوله - تعالى - * ( إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) * تعليل للأمر بخفض الصوت ، وللنهى عن رفعه بدون موجب . أي : إن أقبح الأصوات وأبشعها لهو صوت الحمير ، فالجملة الكريمة حض على غض الصوت بأبلغ وجه وآكده ، حيث شبه - سبحانه - الرافعين لأصواتهم في غير حاجة إلى ذلك ، بأصوات الحمير التي هي مثار السخرية مع النفور منها . وهكذا نجد أن لقمان قد أوصى ابنه بجملة من الوصايا السامية النافعة ، فقد أمره - أولا - بإخلاص العبادة للَّه - تعالى - ثم غرس في قلبه الخوف من اللَّه - عز وجل - ، ثم حضه على إقامة الصلاة ، وعلى الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وعلى الصبر على الأذى ، ثم نهاه عن الغرور والتكبر والافتخار ، وعن رفع الصوت بدون مقتض لذلك . وبتنفيذ هذه الوصايا ، يسعد الأفراد ، وترقى المجتمعات .