سيد محمد طنطاوي
108
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الْمُنْكَرِ ، واصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ ، إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ . ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ولا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً ، إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ . واقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ، واغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ، إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ . 4 - ثم بين - سبحانه - ألوانا من نعمه على عباده ، منها ما يتعلق بخلق السماوات ، ومنها ما يتعلق بخلق الأرض ، كما بين - عز وجل - أن علمه محيط بكل شيء ، وأنه لا نهاية له . . قال - تعالى - : ولَوْ أَنَّ ما فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ والْبَحْرُ يَمُدُّه مِنْ بَعْدِه سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ، ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّه ، إِنَّ اللَّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ . ما خَلْقُكُمْ ولا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ، إِنَّ اللَّه سَمِيعٌ بَصِيرٌ . 5 - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، بدعوة الناس جميعا إلى تقواه - عز وجل - وإلى بيان الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا هو - سبحانه - فقال : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ واخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِه ، ولا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِه شَيْئاً ، إِنَّ وَعْدَ اللَّه حَقٌّ ، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ، ولا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّه الْغَرُورُ . إِنَّ اللَّه عِنْدَه عِلْمُ السَّاعَةِ ، ويُنَزِّلُ الْغَيْثَ ، ويَعْلَمُ ما فِي الأَرْحامِ ، وما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً ، وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ، إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ خَبِيرٌ . 6 - هذا ، والمتأمل في هذه السورة الكريمة ، يراها قد خاطبت النفس البشرية ، بما من شأنه أن يسعدها ويحييها حياة طيبة . إنها قد بينت أوصاف المؤمنين الصادقين ، وأوصاف أعدائهم : وبينت عاقبة الأخيار وعاقبة الأشرار ، ووضحت تلك الوصايا الحكيمة التي أوصى بها لقمان ابنه وأحب الناس إليه ، وساقت أنواعا من النعم التي أنعم بها - سبحانه - على عباده ، وبينت أن هناك أمورا لا يعلمها إلا اللَّه - تعالى - وحده . وقد ساقت السورة ما ساقت من هدايات ، بأسلوب بليغ مؤثر ، يرضى العواطف ، ويقنع العقول . . نسأل اللَّه - تعالى - أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا . وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .