سيد محمد طنطاوي
82
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : وقل إني أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزلناه على المقتسمين . وقيل المراد بالمقتسمين ، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحا - أي يقتلوه ليلا - فأهلكهم اللَّه . . . ثم قال - رحمه اللَّه - : والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله * ( كَما أَنْزَلْنا . . ) * متعلق بقوله - تعالى - * ( ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً . . . ) * وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين ، وأن الموصول مع صلته ، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم . . . والمعنى : لقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ، إيتاء مماثلا لإنزال الكتابين على أهلهما . . . « 1 » . ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين ، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإمام ابن جرير ، فقد قال - رحمه اللَّه - بعد سرده للأقوال في ذلك ما ملخصه : « والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن اللَّه - تعالى - أمر نبيه صلى اللَّه عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه ، أنه نذير لهم من سخط اللَّه وعقوبته ، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم . . . وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين : أهل الكتابين . . وجائز أن يكون عنى بذلك : المشركين من قريش ، لأنهم اقتسموا القرآن ، فسماه بعضهم شعرا ، وسماه بعضهم كهانة . . . وجائز أن يكون عنى به الفريقين . . . وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه . لأنه ليس في التنزيل ولا في سنة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ولا في فطرة العقل ، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين ، وإذا فكل من اقتسم كتابا للَّه بتكذيب بعض وتصديق بعض ، كان داخلا في هذا التهديد والوعيد . . . « 2 » . ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال : * ( فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) * .
--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 14 ص 74 وما بعدها . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 14 ص 23 .