سيد محمد طنطاوي

83

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده في قوله * ( وإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ . . . ) * إذ في هذا اليوم يكون سؤالهم . والواو للقسم ، أي : فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذي خلقك فسواك فعدلك ، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعا ، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت ، عما كانوا يعملونه في الدنيا من أعمال قبيحة : وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة ، ثم لننزلن بهم جميعا العقوبة المناسبة لهم . فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى اللَّه عليه وسلم وتأكيد التهديد للمشركين . ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم بأن يمضى في طريقه ، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين ، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى - : * ( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ . الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) * . وقوله * ( فَاصْدَعْ . . ) * من الصدع بمعنى الإظهار والإعلان . ومنه قولهم : انصدع الصبح ، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أي ظهوره . ويقال : صدع فلان بحجته ، إذا تكلم بها جهارا . أي : فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك ، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية ، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم . قال عبد اللَّه بن مسعود : ما زال النبي صلى اللَّه عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية . فخرج هو وأصحابه ، وقوله * ( إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) * تعليل للأمر بالجهر بالدعوة ، بعد أن مكث صلى اللَّه عليه وسلم يدعو الناس إلى الإسلام سرا ثلاث سنين أو أكثر . وقوله * ( كَفَيْناكَ . . ) * من الكفاية . تقول : كفيت فلانا المؤنة إذا توليتها عنه ، ولم تحوجه إليها . وتقول : كفيتك عدوك أي : كفيتك بأسه وشره . والمراد بالمستهزئين : أكابر المشركين في الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى اللَّه عليه وسلم أي : إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك ، وأرحناك منهم ، بإهلاكهم . وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم ، وهم : الوليد بن المغيرة ، والأسود بن عبد يغوث ، والأسود بن المطلب ، والحارث بن عيطل ، والعاص بن وائل : وقد أهلكهم اللَّه جميعا بمكة ، وكان هلاكهم العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبي صلى اللَّه عليه وسلم . قال الإمام الرازي : واعلم أن المفسرين قد اختلفوا في عدد هؤلاء المستهزئين ، وفي أسمائهم ، وفي كيفية طريق استهزائهم ، ولا حاجة إلى شيء منها .