سيد محمد طنطاوي
72
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
كل مكان أحاطت به الحجارة ، أو كل مكان محجور أي ممنوع من الناس بسبب اختصاص بعضهم به . وما زال هذا المكان يعرف إلى الآن باسم مدائن صالح على الطريق من خيبر إلى تبوك ، كما أشرنا إلى ذلك عند التعريف بالسورة الكريمة . وقال - سبحانه - : * ( ولَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ) * مع أنهم لم يكذبوا إلا رسولهم - عليه السلام - ، لأن تكذيب رسول واحد ، تكذيب لجميع الرسل ، حيث إن رسالتهم واحدة ، وهي الأمر بإخلاص العبادة للَّه - تعالى - وحده ، والدعوة إلى مكارم الأخلاق ، والنهى عن الرذائل والمفاسد . ثم بين - سبحانه - مظاهر هذا التكذيب لرسولهم - عليه السلام - فقال : * ( وآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ) * . أي : وأعطينا قوم صالح - عليه السلام - آياتنا الدالة على صدقه وعلى أنه رسول من عندنا ، والتي من بينها الناقة التي أخرجها اللَّه - تعالى - لهم ببركة دعاء نبيهم * ( فَكانُوا عَنْها ) * أي عن هذه الآيات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا * ( مُعْرِضِينَ ) * لا يلتفتون إليها ، ولا يفكرون فيها ، ولهذا عقروا الناقة وعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر حضارتهم وتحصنهم في بيوتهم المنحوتة في الجبال فقال - تعالى - * ( وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ) * . وينحتون : من النحت وهو برى الحجر من وسطه أو جوانبه ، لإعداده للبناء أو للسكن أي : وكانوا لقوتهم وغناهم يتخذون لأنفسهم بيوتا في بطون الجبال وهم آمنون مطمئنون ، أو يقطعون الصخر منها ليتخذوه بيوتا لهم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - وتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ « 1 » ، أي : حاذقين في نحتها . وقوله - تعالى - واذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً « 2 » . قال ابن كثير : ذكر - تعالى - أنهم * ( كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ) * أي : من
--> ( 1 ) سورة الشعراء الآية 149 . ( 2 ) سورة الأعراف الآية 74 .