سيد محمد طنطاوي

73

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

غير خوف ولا احتياج إليها ، بل بطرا وعبثا ، كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر ، الذي مر به رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك فقنع رأسه - أي غطاها بثوبه - وأسرع دابته ، وقال لأصحابه : « لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين ، إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم » « 1 » . ولكن ماذا كانت نتيجة هذه القوة الغاشمة ، والثراء الذي ليس معه شكر للَّه - تعالى - والإصرار على الكفر والتكذيب لرسل اللَّه - تعالى - ، والإعراض عن الحق . . . ؟ لقد بين القرآن عاقبة ذلك فقال : * ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ . فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) * . أي : فكانت نتيجة تكذيب أصحاب الحجر لرسولهم صالح - عليه السلام - أن أهلكهم اللَّه - تعالى - وهم داخلون في وقت الصباح ، عن طريق الصيحة الهائلة ، التي جعلتهم في ديارهم جاثمين ، دون أن يغنى عنهم شيئا ما كانوا يكسبونه من جمع الأموال ، وما كانوا يصنعونه من نحت البيوت في الجبال . وهكذا نرى أن كل وقاية ضائعة ، وكل أمان ذاهب ، وكل تحصن زائل أمام عذاب اللَّه المسلط على أعدائه المجرمين . وهكذا تنتهي تلك الحلقات المتصلة من قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم والتي تتفق جميعها في بيان سنة من سنن اللَّه - تعالى - في خلقه ، وهي أن النجاة والسعادة والنصر للمؤمنين ، والهلاك والشقاء والهزيمة للمكذبين . ثم ختمت السورة الكريمة ببيان كمال قدرة اللَّه - تعالى - ، وببيان جانب من النعم التي منحها - سبحانه - لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم ، وبتهديد المشركين الذين جعلوا القرآن عضين ، والذين جعلوا مع اللَّه إلها آخر ، وبتسليته صلى اللَّه عليه وسلم عما لحقه منهم من أذى ، فقال - تعالى - : [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 85 إلى 99 ] وما خَلَقْنَا السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ( 85 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ( 86 ) ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي والْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ( 87 ) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِه أَزْواجاً مِنْهُمْ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) وقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ( 89 ) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ( 90 ) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ( 91 ) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 ) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 ) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ( 95 ) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 96 ) ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 98 ) واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 )

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 463 .