سيد محمد طنطاوي

71

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بها البقعة الكثيرة الأشجار التي كانت فيها مساكنهم ، قرب مدين قرية شعيب - عليه السلام - . وجمهور العلماء على أن أهل مدين وأصحاب الأيكة قبيلة واحدة ، وأرسل اللَّه - تعالى - إليهم جميعا شعيبا - عليه السلام - لأمرهم بإخلاص العبادة للَّه - تعالى - ، ونهيهم عن تطفيف الكبل والميزان ، وعن قطع الطريق . . . وكانوا جميعا يسكنون في المنطقة التي تسمى بمعّان ، على حدود الحجاز والشام ، أو أن بعضهم كان يسكن الحاضرة وهم أهل مدين ، والبعض الآخر كان يسكن في البوادي المجاورة لها والمليئة بالأشجار . وقيل : إن شعيبا - عليه السلام - أرسل إلى أمتين : أهل مدين ، وأصحاب الأيكة ، وهذه خصوصية له - عليه السلام - . وعلى أية حال فالعلماء متفقون على أن أصحاب الأيكة هم قوم شعيب - عليه السلام - . والإمام : الطريق الواضح المعالم . وسمى الطريق إماما لأن المسافر يأتم به ، ويهتدى بمسالكه ، حتى يصل إلى الموضع الذي يريده . والمعنى : وإن الشأن والحال أن أصحاب الأيكة كانوا ظالمين متجاوزين لكل حد ، فاقتضت عدالتنا أن ننتقم منهم ، بسبب كفرهم وفجورهم . * ( وإِنَّهُما ) * أي مساكن قوم لوط ، ومساكن قوم شعيب * ( لَبِإِمامٍ مُبِينٍ ) * أي : لبطريق واضح يأتم به أهل مكة في سفرهم من بلادهم إلى بلاد الشام . قال ابن كثير : وقد كانوا - أي أصحاب الأيكة - قريبا من قوم لوط ، بعدهم في الزمان ، ومسامتين لهم في المكان ، ولهذا لما أنذر شعيب قومه قال في إنذاره لهم وما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ « 1 » . ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن قصص الأنبياء مع أقوامهم بجانب من قصة صالح - عليه السلام - مع قومه . فقال - تعالى - * ( ولَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ) * . . . وأصحاب الحجر : هم ثمود قوم صالح - عليه السلام - . والحجر : واد بين الشام والمدينة المنورة ، كان قوم صالح يسكنونه . والحجر في الأصل :

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 492 .