سيد محمد طنطاوي

70

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فِي السَّماواتِ والأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ . وما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّه ، إِلَّا وهُمْ مُشْرِكُونَ « 1 » . والضمير في قوله - سبحانه - * ( وإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ) * يعود إلى المدينة أو القرى التي كان يسكنها قوم لوط - عليه السلام - . أي : وإن هذه المساكن التي كان يسكنها هؤلاء المجرمون ، لبطريق ثابت واضح يسلكه الناس ، ويراه كل مجتاز له وهو في سفره من الحجاز إلى الشام ، كما قال - تعالى - وإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ . وبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ « 2 » . والمقصود تذكير كفار قريش وغيرهم بعاقبة الظالمين ، حتى يقلعوا عن كفرهم وجحودهم ، وحتى يعتبروا ويتعظوا ، ويدخلوا مع الداخلين في دين الإسلام . وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ) * تذييل قصد به التعميم بعد التخصيص ، لأن اسم الإشارة هنا يعود إلى جميع ما تقدم من قصتي إبراهيم ولوط - عليهما السلام - وإلى ما انضم إليهما من التذكير بآثار الأقوام المهلكين . أي : إن فيما ذكرناه فيما سبق من أدلة واضحة على حسن عاقبة المتقين ، وسوء نهاية الظالمين ، لعبرة واضحة ، وحكمة بالغة ، للمؤمنين الصادقين . وخصهم بالذكر لأنهم هم المنتفعون بالأدلة والعظات ، وللتنبيه على أن التفرس في الأمور لمعرفة أسبابها ونتائجها من صفاتهم وحدهم . وجمع الآيات قبل ذلك في قوله * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) * وأفردها هنا فقال : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ) * للأشعار بأن المؤمنين الصادقين تكفى لهدايتهم ، ولزيادة إيمانهم ، آية واحدة من الآيات . الدالة على أن دين الإسلام هو الدين الحق ، وفي ذلك ما فيه من الثناء عليهم ، والمدح لهم ، بصدق الإيمان ، وسلامة اليقين . . . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة أصحاب الأيكة لزيادة العظات والعبر ، فقال - تعالى - : * ( وإِنْ كانَ أَصْحابُ الأَيْكَةِ لَظالِمِينَ . فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ ) * و * ( إِنْ ) * هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن المحذوف . وأصحاب الأيكة ، هم قوم شعيب - عليه السلام - ، والأيك الشجر الكثير الملتف واحدته أيكة - كتمر وتمره - .

--> ( 1 ) سورة يوسف الآيتان 105 ، 106 . ( 2 ) سورة الصافات الآيتان 137 ، 138 .