سيد محمد طنطاوي

69

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وأصل التوسم : التثبت والتفكر ، مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة في جلد البعير وغيره . . وذلك يكون بجودة القريحة ، وحدة الخاطر ، وصفاء الفكر ، وتطهير القلب من أدناس المعاصي . والمراد بالمتوسمين : المتفرسين ، أو المتفكرين ، أو المعتبرين ، أو المتبصرين . . والمعنى متقارب . . » « 1 » . والمعنى : إن في ذلك الذي سقناه في قصتي إبراهيم ولوط - عليهما السلام - لأدلة واضحة على حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة الغاوين ، لمن كان ذا فكر سليم ، وبصيرة نافذة تتأمل في حقائق الأشياء ، وتتعرف على ما يوصلها إلى الهداية والطريق القويم . قال بعض العلماء عند تفسيره لهذه الآية : هذه الآية أصل في الفراسة . أخرج الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعا : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللَّه » ثم قرأ صلى اللَّه عليه وسلم هذه الآية . . . وقد أجاد الكلام في الفراسة ، الراغب الأصفهاني في كتابه « الذريعة » حيث قال في الباب السابع : وأما الفراسة فالاستدلال بهيئة الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله ، على أخلاقه وفضائله ورذائله . . . وقد نبه - سبحانه - على صدقها بقوله * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) * وبقوله تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً « 2 » . وبقوله ولَوْ نَشاءُ لأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ « 3 » . ولفظها مأخوذ من قولهم « فرس السبع الشاه » فكأن الفراسة اختلاس المعارف « 4 » . وفي هذه الآية الكريمة تعريض لمن تمر عليهم العبر والعظات . والأدلة الدالة على وحدانية اللَّه - تعالى - ، وكمال قدرته . . . فلا يعتبرون ولا يتعظون ولا يتفكرون فيها ، لانطماس بصيرتهم ، واستيلاء الأهواء والشهوات على نفوسهم ، كما قال - تعالى - وكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 10 ص 42 . ( 2 ) سورة البقرة الآية 273 . ( 3 ) سورة محمد الآية 30 . ( 4 ) راجع تفسير القاسمي ج 14 ص 3764 .