سيد محمد طنطاوي

68

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وهكذا أخذ اللَّه - تعالى - هؤلاء المجرمين أخذ عزيز مقتدر ، حيث أهلكهم بهذه العقوبة التي تتناسب مع جريمتهم ، فهم قلبوا الأوضاع ، فأتوا بفاحشة لم يسبقوا إليها ، فانتقم اللَّه - تعالى - منهم بهذه العقوبة التي جعلت أعلى مساكنهم أسفلها . ثم ساقت السورة الكريمة بعض العبر والعظات التي يهتدى بها العقلاء من قصتي إبراهيم ولوط - عليهما السلام - كما ساقت بعد ذلك جانبا من قصتي شعيب وصالح - عليهما السلام - فقال - تعالى - : [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 75 إلى 84 ] إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ( 75 ) وإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ( 76 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ( 77 ) وإِنْ كانَ أَصْحابُ الأَيْكَةِ لَظالِمِينَ ( 78 ) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ ( 79 ) ولَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ( 80 ) وآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 81 ) وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ( 82 ) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ( 83 ) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 84 ) فاسم الإشارة في قوله - سبحانه - * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) * يعود إلى ما تضمنته القصة السابقة من عبر وعظات . والآيات جمع آية ، والمراد بها هنا الأدلة والعلامات الدالة على ما يوصل إلى الحق والهداية . والمتوسمون : جمع المتوسم ، وهو المتأمل في الأسباب وعواقبها ، وفي المقدمات ونتائجها . . قال القرطبي ما ملخصه : التوسم تفعل من الوسم ، وهي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيره . يقال : توسمت في فلان الخير ، إذا رأيت ميسم ذلك فيه ، ومنه قول عبد اللَّه ابن رواحة للنبي صلى اللَّه عليه وسلم . إني توسمت فيك الخير أعرفه واللَّه يعلم أنى ثابت البصر